العدد:814
تاريخ:16/ 5/ 2018
 

ما لا يؤنّث

قييم هذا الموضوع
(5 أصوات)

ربما كان من الأفضل والأنسب والأشرف للنساء أن لا يخضن في وحول السياسة، إذ يكاد أن يكون القول (السياسة هي فن الكذب) أقرب إلى الصحة، في زمن لم تعد السياسة فيه مزيجاً من الفلسفة والفن والإبداع لتقديم أفضل السبل في حكم المجتمعات وتطويرها ورفاهيتها، بل أصبحت مستنقعاً من النفاق والتدليس والمؤامرات والخطط السرية، بالاعتماد على إعلام مُضلِّل وكاذب يخدع الجماهير التي تندفع بفعل السيطرة على عقولها إلى خيارات ليست بالضرورة صحيحة ومفيدة.

أقول من الأجدر للمرأة، ككائن حسّاس وشفّاف ولا تناسب بنيتَها النفسيةَ المكيافيليةُ الدموية التي لا يهمّها عدد من يسقطون من الضحايا الأبرياء أو المخدوعين ما دامت يمكن أن تحقق أهدافها.

لكن من زاوية أخرى يمكن القول بأن النساء ربما يُعدِّلْن موازين القوى حين تُتاح لهنَّ فرصة القيادة السياسية، على الأقل يأخذ البعد الإنساني مساحة أكبر في الممارسة السياسية، فتصبح السياسة أقرب إلى نبض الناس ومصالحهم الحقيقية، شرط أن لا تبقى المرأة في ممارستها السياسية تابعة للرجل.

طبعاً حققت المرأة اختراقات مهمة في حقل العمل السياسي أواخر القرن العشرين والقرن الحالي، بفضل نضالها وإثبات كفاءتها وجدارتها بمواقع القيادة والتنظيم، سواء في السياسة أم في الاقتصاد أو الثقافة أو غيرها، لكنها في حقل السياسة تحديداً لم يكن حضورها بالفعّالية نفسها كما في الحقول الأخرى، وأدّعي أن ذلك عائد لسببين رئيسين:

الأول- هو ما سبق ذكره من عدم تناسب طبيعة المرأة مع الشكل السائد للممارسة السياسية بما يحتويه من دسائس ومؤامرات وكذب وتضليل وتشويه متعمّد للحقائق وإخفائها، وسيادة النفعية والانتهازية في هذه الممارسة، بما يتنافى مع طبيعة المرأة وتكوينها.

والثاني- هو إصرار الرجال على احتكار المواقع المفتاحية في العمل السياسي بسبب (الخوف)_ إن صح التعبير_ من وصول المرأة إلى مواقع قيادية، بما يعنيه من ثورة حقيقية في المفاهيم والآليات، ليس فيما يخص الموقف من المرأة وأوضاعها فحسب، بل في مجمل أشكال العمل السياسي ومضامينه.

وكثيراً ما نسمع أو نقرأ أن الحل الأهم لكل هذه الحروب والصراعات والقتل والتدمير والخراب هو في تولي المرأة لمقاليد الأمور، رغم ما يتناقله البعض على أنه حديث مقدس:(ما وُفِّقَ قومٌ ولّوا أمرَهم امرأة)، وهو موضوع شائك وطويل شكّل وعي قطاعات هائلة من البشر، وجعل أي محاولة لكسر حلقات الحصار المُحكمة حول المرأة لمنع خروجها من قوقعة التخلف والظلام إلى فضاء العمل والحرية حفراً في الصخر الصلد.

أدّعي أن وجود المرأة بما يشبه (الكوتا) في المجالس والهيئات السياسية المنتخَبة أو المعيَّنَة هو بداية الطريق باتجاه تشكيل وعي مضاد للوعي السائد من جهة، وبتقديم نماذج نسائية رائدة تثبت أحقية المرأة في تقديم مشاريعها وأسلوبها لحكم المجتمعات وتسيير أمورها من جهة أخرى، ولتكن هي (بروفات) للوعي المجتمعي ولقدرات النساء باتجاه تكريس واقع جديد يتيح لها أن تكون معادلاً للرجل في الحقل السياسي كما الحقول الأخرى، لا صدى لصوته حتى إن حضرت كما هو حاصل، للأسف، في كثير من الحالات التي نشهدها من وصول المرأة إلى مواقع متقدمة في السياسة والثقافة والاقتصاد.

ولا بدّ من الإشارة إلى أن حديثنا عن حق المرأة وضرورة وجودها في قيادات العمل السياسي والمجتمعي لا يعني أن النساء لهن مواقف واحدة ايجابية على الإطلاق، فهناك المرأة اليسارية والمرأة اليمينية، المرأة التي تنحاز إلى طاغية مستبد قاتل، والأخرى التي تنحاز إلى الضحية والمظلوم والمقموع والمُغيّب، المرأة السلفية التي تدافع عن قيدها بشراسة والمرأة المنفتحة العصرية التي تكافح من أجل التنوير والعدالة.

 لكن جوهر الحديث هو عن أسلوب العمل وآلياته الداخلية بما يعنيه من انعطافات مهمة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

نُعيد هنا ما قاله ابن عربي: المكان إذا لم يؤنّث لا يعوَّل عليه!

تمت قراءته 94 مرات