العدد:811
تاريخ:18/ 4/ 2018
 

صوت الحياة الخافت

قييم هذا الموضوع
(2 أصوات)

 وهل تستطيع لوحة عزلاء إلاّ من ألوان الحياة فيها أن تكبح جماح رصاصة عمياء؟

هل تستطيع قصيدة، كلُّ ما فيها مجازُها العالي وتحليقها في المخيّلة واللغة، أن تثني قاتلاً عن جريمته؟

هل تستطيع قصة، رواية، فيلم، مسرحية، مسلسل...الخ أن تتحول إلى (قوات فصل) بين متحاربين نسوا أن (على هذه الأرض ما يستحق الحياة)، وصار الموت ميدانهم الأوحد؟!

الفن بدأ استجابة فطرية من الإنسان الأول للجمال الذي يحيط به، بدءاً من جمال الجسد إلى الكائنات الأخرى والطبيعة، الجمال الذي يتجاوز كونه أمراً نافلاً ورفاهية زائدة ومتعة فائضة، بل هو ما يجعلنا نستمر في الحياة أيضاً، ما يمدنا بأسباب العيش، فجمال الشجرة ليس فقط في خضرتها وزهورها والجو اللطيف الذي تخلقه بوجودها فحسب، وهي أمور رائعة وضرورية طبعاً، بل هو أيضاً في الثمار التي تجعل الإنسان يعقد صفقة أبدية معها، تستمر به ويستمر بها. كذلك الماء، هل هي مصادفة أن يكون الماء مقدساً؟ إنه أسُّ الحياة الأول، وفيه من الجماليات ما عجزت كل الفنون والآداب عن حصرها حتى الآن رغم ما تحفل به اللوحات والقصائد والروايات والأفلام من صور ساحرة للماء.

لكن، هل جمالية الماء تأتي سوى من كونه هو الحياة وبغيابه تغيب الحياة عن كوكبنا الصغير؟ ويمكن قياس كل مواضيع الفن والإبداع عامة بما ذكرناه آنفاً، الفن ليس صورة فوتوغرافية للواقع طبعاً، هو ينبش اللامرئي في المرئي، يكتشف في صحراء قاحلة آيات جمال، يُميط اللثام عن مكامن جمال لا يُحَدّ في امرأة (بشعة) بمقاييس لجان اختيار ملكات الجمال والعرف الشعبي، وحقيقة لا توجد امرأة بشعة كما لا يوجد إنسان بشع طبعاً.

الحروب هي عدوة الحياة والجمال والإبداع، إذ لا توجد حرب جيدة، فكل الحروب سواء في قتل الحياة بكل تجلياتها من بشر وحيوانات وشجر وعمران.

حتى تلك الحروب التي تتصف بالوطنية والقومية هي حروب سوداء لا بقعة بيضاء فيها، لكن الفرق هنا يكمن بين إنسان أو مجموعات بشرية تدافع عن وجودها وأرضها وحياتها وحريتها في وجه قوى غاشمة مستبدة تريد سلبها منها، فتدخل في حرب لا تريدها ولا تراها حلاً لمشكلة، وتلك القوى الغاشمة التي تريد استمرار الحروب لأسباب عدة، منها تلبية رغبتها في قضم حقوق الآخرين وثرواتهم، وتشغيل اقتصادها بآليات النهب والسيطرة وغيرها من الأسباب.

الحرب سيئة بالمطلق رغم وجود حروب دفاعية و(عادلة)، لكنها في المحصلة عدوة الحياة.

في الحرب السورية التي يمكن تقديمها نموذجاً للحروب الداخلية العبثية، الحروب التي تعود إلى شهوة السلطة والجاه لدى فريقين يريدان الاستئثار ببلد يمكن أن يكون للجميع ومن أجل الجميع، فريقان مُدجّجان بأسلحة فتّاكة وإيديولوجيات أشدُّ فتكاً تجرُّ معها قطعاناً هائلة من الناس، وأشدد على كلمة قطعان، لأن من يذهب إلى حرب لا رابح ولا منتصر فيها سوى الخراب جرياً وراء عمامة أو شعار إيديولوجي هو فرد في قطيع أعمى.

في هذه الحرب لا يمكن للفن أن يجاري حجم الخراب والموت في الأرواح والعمران، لذلك لم ينتج عمل فني يصورها، سوى في محاولات خجولة ومرتبكة وخائفة من سيف العقاب إن هي تضمّنت ولو تلميحاً إلى أي طرف فيها.

أعتقد أن الفترة التي ستلي الحرب التي نتمنى أن تنتهي قريباً، ستكون فترة نضج الأعمال الفنية التي ستؤرخ لها لتكون درساً للأجيال القادمة في سورية والعالم: إنك إن (خسرت) سلماً أفضل بكثير من أن (تربح) حرباً. فأي تنازل تقدمه بلا حرب يمكن تعويضه واستعادته لاحقاً بالعمل السلمي، فالحرب خسارة الجميع.

تمت قراءته 80 مرات