العدد:811
تاريخ:18/ 4/ 2018
 

الفنان مرآة الواقع

قييم هذا الموضوع
(1 تصويت)

في الحروب والأزمات يكون السلاح لغة الحوار، ونلاحظ انتشاره العشوائي فلا يقتصر على الجنود فقط.  لكن ألا يوجد سلاح آخر يمكن لنا أن نواجه به العنف والعزلة والتكفير والجهل والتخلف؟ حتماً، هناك الكلمة المعبرة خير سلاح، لاسيما حين تخرج من الشخص المناسب وبالمكان المناسب، تخرج بأغنية، وعلى مسرح، وبدراما تسلّط الضوء على الواقع، فكثيراً ما كانت الكلمة سلاحاً بوجه المحتل منذ العثمانيين إلى زمننا هذا.

 لقد صدّرت فلسطين للعالم نخبة من الفنانين كانوا شوكة في حلق المحتل، منهم من اعتقل وسجن، ومنهم من حارب بالفن، كما ثار الكثير من الفنانين على أنظمة حكم مستبدة سواء في البلاد العربية أم في غيرها، وكانت ثورتهم بالكلمة الحرة ناراً أحرقت كيان المستبد، وأشدُّ وقعاً من السلاح، فالكواكبي لم يرحم جلاديه عند ما كتب (طبائع الاستبداد)، الذي ما زال حتى يومنا هذا يُجسد واقعاً أليماً فرضه علينا الطغاة، فكم لاحقت السلطات العثمانية هذا الرجل لأن كتاباته أيقظت الناس على بطش المستبد وحركت بداخلهم الثورة على جلادهم. ولا ننسى ابن رشد وابن خلدون وحربهم على المستبد تحت شعار (من تمنطق فقد تزندق). وكم من فنان (مغنٍّ أو ممثل أو راقص تعبيري) وكاتب وشاعر وصحفي وناقد جسّد الظلم في أعماله، وأظهر بشاعته، وكان لتلك الأعمال صدىً أشدُّ وقعاً على رؤوس المستبدين من نار البارود.

 ولا تغيب عنّا اليوم حرب السبع سنوات في بلدي الحبيب، التي أطاحت بنا جميعاً، بقوة فكر تكفيري جاءنا من الخارج حاملاً سمَّ الفتنة بما لم يرحم فناناً ولا شاعراً ولا حتى مبدعاً ولا مخترعاً حين قام قادته بإقامة الحدّ على كل من أبدع بالعلم واللحن والكلمة والشخصية المجسدة لعمل ما لتجعله عبرة لغيره. كم حُطمت آلات موسيقية على رؤوس أصحابها وكُسرت أنامل كانت تخط الحزن على وتر، وكم دُمرت مسارح تحت شعار محاربة البِدع، حتى من الجانب الآخر كم من فنان غيّبه الموت بأقبية الظلام لمجرد أنه مثل الظلم على أرض الواقع أمام المستضعفين؟ لم ترحم الحروب أصحاب الحس المرهف والكلمة الحرة والرأي الحر. لم ترحم الفن والإبداع، ولم ترحم الفكر واللحن لأنهم أقوى من الطلقة، وأشدّ وقعاً على فكرنا وفكر الطاغي من السلاح، لذا نلاحظ أن الفنانين وغيرهم من رواد العلم والفن أكثر الأشخاص عرضة للمساءلة والملاحقة من قبل السلطات المُستبدة والمحتل لأنهم أصحاب فكر ينير العقول ليجلو الظلام والظلم أمام الشعوب لتخرج إلى النور بفكر حر وعقل متحرر يرفض القهر والظلم والتخلف، لأنه يريد أن يعيش حراً كريماً مُردداً أمام جلاده متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً!؟ 

تمت قراءته 84 مرات