العدد:812
تاريخ:25/ 4/ 2018
 

قُرصٌ مُذاب

قييم هذا الموضوع
(2 أصوات)

 بين تلك الرفوف العتيقة في مكتبة منزلية صغيرة قد تجد التاريخ يُرخي كل هيكله، والمعارك مازال يُسمع صوت سيوفها وتُشم رائحة الدماء في القصائد أو الروايات، وربما تقطع الواقعيّة شريان الحياة في عروقك بمشهد على الشاشة الكبيرة.

الفكرة تكمن بكون الآداب خصوصاً والفن بكل أشكاله وتجلياته عموماً الآلة التي تعمل على (نسخ) الواقع إما لتؤرخ وتسجل، أو بطريقة غير مباشرة عندما يستشف الفنان مادته من صميم روحه فتظهر بشكل معين تفوح منها روائح الحرب العالقة في صدره، وربما يكسرنا سطر نسجه على صرخة سجين يُجلد!

هنا، نجد أن الفنون هي مرآة الواقع، لكن هل تستطيع هذه المرآة عكس الصورة فقط؟ أم تستطيع قيادة الفكر والإمساك بزمام المستوى الفكري والثقافي إلى حدٍّ معين؟!

المعطيات الحقيقية التي سبق لها أن أشارت يوماً إلى كون الفن من السبل المُتبعة في تصوير الكوارث والنكبات وحتى الحرب والظواهر المجتمعية يمكن استخدامه كوسيلة توعية لمخاطر معينة أو ربما يكون الأداة غير المباشرة للتحريض، فهو كقرص دواء مُذاب في كأس لن يشعر به أحد ولكن النتائج ستظهر لاحقاً، وهذا شيء جيد إن كانت الغاية سامية حقيقية والهدف يصب في المصلحة العامة.

كذلك يمكن أن نزيح ستائر الجهل والتخلف من خلال رصده والحديث عنه ورسم سبل الخلاص.

المشكلة أن أهمية الفن والفنون وقيمة الفنان كلها أشياء باتت معروفة ومستخدمة ربما، لكن اليوم لو وجّهنا المجهر إلى واقعنا فهل سنرى أن الفن كان قادراً على قول كلمة الحق والسعي للخلاص مما نحن فيه؟

في الحقيقة إن البذرة لقيام فنون تؤدي رسالتها بكل إخلاص موجودة، لكن الشيء الأهم الذي أراه في الواقع هو سوط نار سيشوي الفنان ويحرق أنفاس الفن الصاعدة منه!!

من المفروض اليوم أن يكون الفن حيادياً غير مُسيس أو مُوجه له رسالة واضحة، لكن واقعنا يحكي غير هذا، فحتى اليوم لم نصل إلى فكرة التصالح مع الواقع والحديث بشكل شفاف عمّا نحن فيه.

لا شك أنه مفروض على الفن نقل الواقع وتشكيله بالطريقة المناسبة، لكن لا أرى أن رسالته اليوم صادقة حقيقية بل إنها مزخرفة تنقل أفكار معينة، وإن فكّرنا للحظة بالحديث الواقعي نُخفيه خلف ألف ستار.

والمشكلة ليست مع طرف، فكل الأكف تستطيع الوصول وبتر الرقاب حتى لو كان الموضوع غير السياسة نحتاج لغربال فني.

بالنهاية، عندنا فن ومواهب ومادة طبيعية غنية نستعين فيها لبناء الغد المنتظر، لكن نحتاج إلى تلك الشفافية والضمير المفقود في مختلف مجالات حياتنا.

تمت قراءته 57 مرات