العدد:812
تاريخ:25/ 4/ 2018
 

الفن العربي بين الدور الرسولي والدور الجمالي الترفيهي

قييم هذا الموضوع
(1 تصويت)

 تنقسم الأعمال الفنية بطبيعة محتوى العمل الفني إلى أعمال فنية جمالية أو ترفيهية، وأعمال فنية هادفة رسولية، وتقبل بعض أنواع الفنون تضمين المعاني والقصدية النهضوية الاجتماعية أكثر من غيرها، ففن الرواية أو المسرح هو فن هادف وقادر على أن يحمل قيماً ومعاني أكثر من فن الموسيقا، على سبيل المثال. وما الفن إلا منعكس لذات الفنان وتفاعلاتها مع محيطها الطبيعي والاجتماعي ومع الحدث الشخصي وصولاً إلى الحدث المتمتع بأصداء عالمية. ويشكل ازدهار الفنون وكثرة الفنانين المميزين مؤشراً على المستوى الحضاري لأمة ما، بينما تشكل سطحية نسبة كبيرة من الأعمال الفنية ونمطيتها وابتذالها وتكرار محتواها مؤشراً مُقلقاً تجاه المستوى الحضاري لأمة ما، إذ يُشكّل الفنان في كثير من الأحيان الرائي أو النذير الذي يُطلق صرخته عبر الفن لينبّه المجتمع ويحذرهم من كارثة مقبلة أو كارثة تجلّت بوادرها.

ومع الأسف يبقى تأثير الفنانين العرب في الشارع العربي محدوداً جداً، ويبقى رواد صالات المسرح الهادف ومعارض الفن التشكيلي قلّة قليلة معظمهم من شريحة اجتماعية معينة. وتشكل فنون كالدراما التلفزيونية والسينما عامل التأثير الأكبر بين بقية الفنون، ورغم أن بلداً كسورية مثلاً يُصدّر ممثلين وأعمالاً تلفزيونية إلى العديد من أقطار الوطن العربي إلا أنه لا يزخر بالفنانين والأعمال الفنية بقدر ما يزخر بالمؤدّين، فالفارق بين المؤدي والفنان هو الالتزام بفكر ورسالة، وليس كل من أدى دوراً ما طُلب منه مقابل المال يُسمى فناناً. فالفنان الحقيقي لا يقدم عملاً فنياً ينتصر لقضية معينة ثم يشارك في عمل آخر يدين هذه القضية.

ومن خلال متابعتي للفنون في سورية مازال معظم الكُتّاب والشعراء عالقين بالمذهب الرومانسي، ونلمس العديد من الحالات الشوفينية والدون كيشوتية والسطحية، وقد عززت الأحداث الدموية هذه الحالات، فأعاقت الحرب الفن والوعي لدى الفنانين عن التطور والتقدم، بينما كانت الدراما في العديد من الأعمال التلفزيونية هي الأنجح في نقل معاناة المواطن السوري وكانت المرآة الأنقى لما يعتريه ويعتمل في عقله ووجدانه، بينما انصرف الكثير من السينمائيين والكُتّاب لأداء (المطلوب) لتعزيز الخطاب الإيديولوجي للجهة أو الحزب الذي ينتمي إليه.

إن الفن يمتلك مقدرة على إعاقة الحرب بنسبة ما عبر نشر الوعي وطرح المفارقات التي تجعل المُتلقي يتوقف عن الفعل السلبي ويتأمل فيما يفعل. وهناك أفلام تناولت قضايا ومسائل معينة، فساهمت في التعجيل في تعديل القوانين في عدد من البلدان. وإذا أردنا أن نطرح أمثلة من الأفلام العربية فلدينا الأفلام (أريد حلاً، كلمة شرف، جعلوني مجرماً).

لا نستطيع أن ننكر أن الفنون عبر التاريخ شكّلت حاملاً من حوامل المنظومات الإيديولوجية، فالمعابد كلها تحوي أعمالاً فنية تُكرّس عبر سحر الفن الأفكار الماورائية التي تتبناها وتروج لها سواء عبر فن الإنشاد الديني أو التماثيل أو الرقصات والأزياء الخاصة بالطقوس الدينية، كما هو الحال في القارة الإفريقية على سبيل المثال. وخلال الحرب في سورية أُنتجت أعمال فنية سورية وعربية الهدف منها التعبئة وشيطنة الآخر ورفع الحالة المعنوية لفئة ما على حساب أخرى، فهي تستثير مشاعر الغضب بدل التسامح، والرغبة بالانتقام بدل الرغبة بتدارك الأمور ومدّ جسور التواصل والحوار بغية الخروج من دوامات العنف، إلاّ أن الأعمال الفنية التحريضية إن صح التعبير بقيت حالات نادرة.

 وختاماً لا يسعنا القول إلاّ أن المنجز الفني عموماً إزاء الحرب في سورية لم يكن على مستوى الحدث، ويتوقع منه المزيد في فترة ما بعد الحرب، في سياق تعرية الظواهر السلبية التي خلفتها الحرب، ومكافحتها، وفي تدوين الحدث وتحصين المجتمع عبر المساهمة في رفع الوعي الجمعي.

تمت قراءته 62 مرات