العدد:811
تاريخ:18/ 4/ 2018
 

بروحي وطن

قييم هذا الموضوع
(1 تصويت)

 لا يمكن لنا أن نفصل كياننا عن هذه الأرض، لأنها نحن ونحن هي، إذ بلا عائلة يمكن لنا العيش، لكن بلا أرض ووطن لا حياة لنا، فلا يمكن العيش بلا ذكرى تحت سمائه وعلى أرضه، بكل شارع وبكل حديقة وبكل مكان وزمان، وتحت أشجاره روينا حكايات عن الحب، عن البطولة والقهر، عن الجوع وعن الموت، وكانت لنا مشاعر دُفنت تحت ترابه، فمن منّا لم يقاسمه الوطن حب الأهل والأولاد؟ ومن لم يحفر اسمه على جدرانه؟ ومن منّا لم ينشد نشيده كل صباح مع رفاقه في باحة المدرسة؟ من لم يفتح المذياع صباحاً ليستمع إلى هنا دمشق، تلك الكلمة التي مازلت تصدح في مسامعنا ليتراقص لها القلب فرحاً، فهي لقمة الفطور الصباحي لذكريات طفولة حملت معها عطر وطن؟ فمن يمكنه أن يسلخ روحه عن نسمة عطر حملها هواء الغوطة مع فنجان القهوة في صباح ربيعي على شرفة وطن؟

هو الوطن وتلك الأرض التي حملت أمواتنا من الأهل والأحبة، حملت غراسنا، حملت ذكرياتنا، خطوات أقدامنا، خبطات غضبنا، لا يمكن أن نُغيّبها عن النجوى وندفنها بالروح، وهو حال السوريين اليوم بعد أزمة استفاقوا عليها منذ سبع سنين حملت بين طياتها عذابهم، تشرّدهم، فراقهم وهجرتهم عن أرض ولدوا فيها وعليها، فلا يمكن أن نسلخهم عنها وإن غادروها قسراً أم حباً تبقى لهم الأم الأولى، فلا يمكن لشخص غرس شجرة أن يكره أرضه حتى لو حمل سلاحاً وحرق، فمن منظوره كان يظن أنه يدافع عن تلك الأرض ولكل منّا وجهة نظر، وإن اختلفت فهي تجتمع على حب تلك الأرض مع الاختلاف بطريقة التعبير، لأن من ارتوى من ماء الشام لا يمكنه أن ينسى طعم الشام، لذا، لا يمكنه أن يحرق شجرها ويردم نبعها.

أزمة السبع سنين لم تقتل حب الوطن في نفوس السوريين رغم البعد ورغم الهجرة، رغم القتل والسجن والموت البشع والخطف والحرق، كان الجميع يظن أنه يدافع عن حبه لتلك للأرض، ولهذا الوطن، لكن بأساليب مختلفة حرقت معها الوطن من دون قصد، حرقته من شدة الحب من شدة عاطفة استغلها الآخر ليغرس حقده في نفوس ضعيفة أوهموها أنها بالبطش تصنع وطناً، ففُجعت بحقيقة هذا الحب أنها حرقت عشب الأرض ودمرت معه القيم!

بعد سبع سنين عجاف لابدّ أن نعيد الوطن كما كان في عيوننا ومازال مشرقاً وجهه للشمس، بساطه أخضر وذراعاه سنديان يحتضن كل الأبناء، وورده الجوري نسيم عطر لكل صباح، وقمحه غلال خير لرغيف كل محتاج، غاره العالي شامخ بشموخ الوطن، سور منيع بوجه الأعداء، فلا عداوة بين السوريين وليكن حبنا لنعمر وطناً بنزع السلاح، فلا غالب ولا مغلوب بين الإخوة، لأنهم جميعاً يتشاجرون على عناق أم ليحظوا بقبلة من ثغرها، وهنا نزرع الحب في نفوسنا ليزهر الشجر. 

تمت قراءته 144 مرات