العدد:811
تاريخ:18/ 4/ 2018
 

الأرض... نـداء عـودة مستمر

قييم هذا الموضوع
(3 أصوات)

 بدأ يوم الأرض فلسطينياً في الثلاثين من آذار 1976 حين هبَّ شعب الجليل والمثلث في وجه المحتل لإسقاط قرارات الضم والتهويد، وكان عنواناً لتمسك الشعب الفلسطيني بأرضه ورفضه الاحتلال مهما طال الزمن.

يحتفل الفلسطينيون في الداخل والشتات بهذا اليوم من كل عام تأكيداً لحق العودة، وأن الارض هي جوهر القضية الفلسطينية، لذلك تحرص الدولة الصهيونية على قضم الأراضي والاستيلاء عليها بذرائع شتى، لأن دولة اسرائيل قائمة على إحلال شعب أو وهم شعب(الشعب اليهودي) مكان الشعب الفلسطيني صاحب الأرض والتاريخ.

وبحكم التداخل الكبير بين السوريين إجمالاً بكل فئاتهم وقومياتهم وانتماءاتهم السياسية، والشعب الفلسطيني، حتى كادت القضية الفلسطينية أن تصبح قضية سورية بامتياز، بحكم ذاك أصبح يوم الأرض يوماً سورياً أيضاً، انمحت المسافات بين حلمين، حلم التحرر والاستقلال والعودة وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة لدى الشعب الفلسطيني وقواه النضالية، وحلم السوريين في سورية قوية مزدهرة حرة وديمقراطية علمانية تحفظ كرامة أبنائها وتحترم آراءهم وانتماءاتهم.

هكذا نستطيع أن نتوقف في الثلاثين من آذار حين قالت الأرض كلمتها أمام علاقة السوريين بالأرض، خصوصاً وقد طوت الحرب القذرة التي تشهدها سورية عامها السابع وكلما لاحت في الافق بشائر انتهائها فوجئنا نحن السوريين بأوارها يشتعل ويتصاعد تلبية لرغبات قوى اقليمية ودولية ومحلية تستثمر في دمائنا ومستقبلنا وتريد استمرار المقتلة السورية الفظيعة.

السوري هو فلاح في تاريخه، في مورثاته إن صح التعبير، لذلك تقترب علاقته بالأرض إلى حدِّ القداسة، وتعرف الحضارات التي مرت على هذه الارض حالات عديدة لآلهة لها علاقة بالأرض والزراعة والري.

هذا العمق التاريخي لفكرة الأرض في الوجدان السوري يتعرض هذه الأيام لامتحان قاسٍ ومؤلم، إذ ترك ملايين السوريين أراضيهم واملاكهم وهاجروا خارج البلاد مغامرين بركوب الأمواج والغرق أو التيه، وهم يهربون من أهوال الحرب وكوارثها، وفي حالات حروب أهلية كالحرب السورية يصبح الهرب ليس (ثلثي المراجل) كما يقول المثل الشعبي الدارج، بل هو كل المراجل أن تنأى بنفسك عن حرب الشقيق مع الشقيق، وقديماً قال قس بن ساعدة: (يا بني! إذا رأيت حرباً، جبانها يجرؤ، وشجاعها يجبن، وخسيس المحتد يتحكّم بكريم المحتد. ففرّ منها إلى رابية، وترقّب الأحداث، تجد أن في الأمر خيانة).

وهذه حرب تمادى فيها اللصوص وعبّاد المال واستمرؤوا سفك دماء السوريين وتخريب بلادهم من أجل تحقيق مصالحهم.

هجر ملايين السوريين بيوتهم وأراضيهم وأملاكهم باتجاه المجهول، ومثلهم ملايين هجروها إلى مناطق أكثر أمناً في الداخل السوري، وبطبيعة الحال ولأنها مناطق حرب فإنهم انقطعوا عن أراضيهم ومنازلهم إلى أن تضع الحرب أوزارها.

يبدو جلياً أن التماس الأمان والسلامة قد تغلب لدى السوري على تمسك بأرض قد يودي به وبعائلته، لذلك آثر السوري السلامة وترك أمر الأرض إلى يوم قادم يستطيع فيه أن يعود إليها ويزرعها أو يبنيها، لكن هل غادرته الأرض..؟؟

أدعي أن الأرض تعيش في وجدان السوري، سواء السوري المهاجر إلى خارج البلاد وقد أتيحت له فرص للعيش المقبول نسبياً رغم قسوة الغربة، أو السوري الذي نزح داخل البلاد وقد يكون قريباً من أرضه بحيث يسمع دوي القصف والرصاص في منطقته التي هجّرته الحرب منها.

ولأنها تعيش في وجدانه وعقله فإن عودته الحتمية إليها، شاء من شاء وأبى من أبى، على قول الراحل الكبير ياسر عرفات، ستكون بداية جديدة لأرض أكلت من شبابه وعرقه وأعطته الكثير، بداية جديدة لإعادة الحياة إليها، وبث الخضرة والجمال في ربوعها، وإن غداً لناظره لقريب.

تمت قراءته 83 مرات