العدد:812
تاريخ:25/ 4/ 2018
 

الخطأ من ألوان الحياة

قييم هذا الموضوع
(4 أصوات)

الخطأ دليل على العمل، وهو من طبيعة البشر والظواهر، هناك نسبة خطأ في المعادلات الرياضية والفلكية، وفي العمليات الجراحية، تُذكر في كل دراسة أو مسألة في هذا السياق.

في المجال الاجتماعي، العلاقات الإنسانية، الإدارة، الاقتصاد، أيضاً ترتكب أخطاء تتراوح بين العادي والكارثي، لكن الفارق هنا أن الخطأ نسبي، أي أن هناك من يراه صحيحاً بالمطلق، وهناك من يراه خطأ أو جريمة تستحق العقاب.

في طريقة الإشارة إلى الخطأ و(نبشه) نجد طيفاً واسعاً من البشر الذين يشيرون في مجالسهم أو تصريحاتهم أو كتاباتهم إلى أخطاء في عمل ما أو ظاهرة ما وتتنوع الطرق والأغراض منها.

فمن عانى شخصياً من نتائج خطأ ما تراه يتحدث عنه حيثما وجد فرصة لعلّه يستطيع بذلك رد المظلمة التي تعرض لها نتيجة ذلك الخطأ، وهذا صاحب قضية لا بدّ أن يستمع الجميع إليه، خاصة أصحاب القرار والإعلام والرأي العام.

وهناك من تتطلب طبيعة عمله نبش الأخطاء وفضحها وتعريتها، لا للإساءة إلى مرتكبيها دائماً، بل لتصحيحها ووضع الأمور في مسارها الصحيح، وهو عمل الإعلام والسلطة التشريعية بالدرجة الأولى.

النقد الأدبي مثلاً هو أحد أبواب الإشارة إلى النواقص والأخطاء في النص الأدبي من أجل رفع سويته وتكريس الجميل وتجاوز الضعيف، لكنه ينوس بين ظاهرتين مرضيتين: مديح مجاني يصل إلى درجة التسويق، أو هجوم كاسح لا يرى أي بقعة ضوء في النص المدروس ولا يرى سوى مكامن الضعف فيه، وكلاهما ضارّ وعبء على النص الأدبي.

لكننا في مجال النقد الأدبي نجد أناساً امتهنوا ما يمكن أن نسميه (الضرب في الكبار)، فيأتي كاتب على عتبة تجربته ليشن أعنف الهجوم والنقد على تجارب لكتّاب كبار ومُكرسين، ظناً منه بأن ذلك هو الطريق إلى الشهرة والمجد.

وقد عرفنا في الوسط الأدبي السوري نماذج من هؤلاء، وما زالوا في قواقعهم ينفثون حيث تسنى لهم نقدهم الجارح لشخصيات أدبية وثقافية دون أي مستند سوى ذائقته الفردية مثلاً، أو ذائقة مرجعه الذي يكون غالباً كاتباً تدفعه عداوة الكار إلى (تجنيد) كتّاب صغار من مريديه للنيل ممّن يعتقد أنهم منافسوه.

لا بدّ هنا من الإشارة إلى أنه لا عصمة لأحد مهما بلغ من الشهرة والانتشار، بل إن هؤلاء (العظماء) تحديداً يجب أن يكونوا مادة للنقد الحقيقي وكشف نقاط ضعفهم تلافياً لظاهرة التقديس لقامات فكرية أو ثقافية أو سياسية وهي- الظاهرة - أخطر من جميع الظواهر السلبية التي أشرنا إليها، فيجب التأكيد دائماً على أن التعميم خطأ كارثي، فليس كل نقد يوجّه لما يسمى بالعظماء هو عمل مريض وناقص ومُدان يبحث صاحبه عن الشهرة على حساب اسم ذلك العظيم، القول الفصل هنا هو في فحوى النقد وعمقه وجديته.

الأمر ينطبق بدرجة أكبر وأوضح على زعماء تاريخيين وسياسيين ورموز دينية ينعتها أنصارها بالعظمة والتقديس، فيأتي كاتب أو مفكر وينزع صفة القداسة والعصمة عنه ليضعه على مشرحة الدراسة والنقد، فتنطلق الحملات الهوجاء من أنصار الرمز على هذا الكاتب النكرة طاعنين فيه وفي أصله وفصله، مؤكدين أن نقده مُغرض وله غايات غير علمية، مرددين قول شوبنهور:(ذوو النفوس الدنيئة يجدون اللذة في التفتيش عن أخطاء العظماء) ومطلقين شتى المصطلحات على الكاتب المسكين من نظرية المؤامرة إلى العمالة والتخوين... الخ.

أدّعي في هذه العجالة أنه لا مانع من ظاهرة نقد الكبار، وتعرية أخطائهم، وكشف نقاط ضعفهم، بل هو ضرورة يجب البحث عن أسباب غيابها فيما لو غابت، شرط أن يكون النقد موجهاً لإنتاجهم، لأعمالهم الإبداعية، وليس لشخوصهم، أو لحياتهم الخاصة.

وحتى لو كان نقد هؤلاء الكبار فيه مكامن ضعف كأي عمل، فهو مباح وحق طبيعي للناقد أو المنتقد أو النابش في أخطاء (العظماء)، أي لا كبير أمام النقد.

تمت قراءته 117 مرات