العدد:815
تاريخ:23/ 5/ 2018
 

تجّار الموت لا يستثون منّا أحداً

قييم هذا الموضوع
(1 تصويت)

 الحروب بكل أشكالها وأصنافها على مرّ العصور هي لعبة محلية أو إقليمية أو دولية يلعبها أصحاب النفوذ والسلطة، بعضهم لصون نفوذهم، والآخرون لتحقيق نفوذ جديد أو زيادة نفوذهم، ودوماً يشكل البسطاء والفقراء ضحايا ووقوداً لهذه الحروب.

 وإذا أردنا الحديث عن أحداث الوطن العربي بشكل خاص، فمن الواضح أن شقّها النفعي (مصالح متنفذين محليين وأجانب) غلب على شقّها الثوري التقدمي التنويري، بتجنيد العوام وأدلجتهم لصالح خلق تيارات رجعية، وبالتالي هي في معظمها حروب مدمّرة تستنزف قوى الدول العربية، ولا يخفى على أحد أن هناك دولاً انتهازية ذات تاريخ استعماري ما إن تشم رائحة الدماء في بلد نامٍ أو متخلف حتى تنقضّ وتُعمل مخالبها فيه، بضخّ السلاح والعتاد، وتسعى لجعل جراح هذا البلد أكثر اتساعاً كي تنفذ شركاتها إلى عمق اقتصاده، وتضع يدها على ما تيسر من ثرواته.

ونحن العرب مازلنا نسفك دماءنا ونشرّع الأبواب للذئاب التي تهب من مشارق الأرض ومغاربها على السواء. ولكن هناك الشره من الذئاب وهناك الأقل شراهة، والجميع يلعق فروة الكيان الصهيوني ويطمئنه علانية.

وإذا أردنا الخوض في تعقيدات الحرب في سورية، فالموت هو غاية جميع مدّعي الحرص على أمنها واستقراها، فهناك من تخدم مصالحه أخبار مجزرة في حق أقلية ما، ويمكن أن يستثمر سياسياً في معاناتهم، سواء كانت أخبار سقوط قتلى مسيحيين أو أكراد أو سنّة.. إلخ، وبالتالي الحل الوحيد هو دعم الدولة السورية حتى تستعيد السيادة على كامل أراضيها، وتصبح قادرة على إيقاف الاختراقات والتدخلات الأجنبية، وتشكيل جبهة ثقافية بعيدة عن أي نموذج سابق من المثقفين النفعيين بغية رفع عتبة الوعي الجمعي. واليوم القيادة السورية هي الأقدر على تعجيل انتهاء الحرب الدموية وضمان عدم تعرض سورية لأحداث مشابهة مستقبلاً، في حال أدركت هذه القيادة أن عليها وعلى التوازي مع الانتصارات العسكرية للجيش العربي السوري أن تخوض حرباً على الفساد، وأن تشرع بالإصلاح وتبتعد عن الشعارات، لصالح حراك تشريعي مؤسساتي تقدمي فعلي تضطلع به كل الأحزاب السورية العريقة على السواء، وتُستوعب فيه تطلعات المجتمع السوري بكل فئاته. وعلى القيادة أن تسعى أيضاً لإرساء التعددية والعدالة الاجتماعية، فالطبقية كما هو معروف هي أهم عامل عبر التاريخ للصراع والحروب الداخلية، وقد تسببت الأزمة بتنامي الطبقية وارتفاع النزر اليسير من حثالة المجتمع إلى الطبقة الثرية، بالتعفيش والخطف والابتزاز واستغلال المناصب والرشا والاحتكار، ومنهم من بات يُعرف بتجار الأزمة. وإن اكتفينا بالانتصارات العسكرية وتسوية وضع من حمل السلاح ضد الدولة لسنوات، خلال أسابيع وإعادته إلى المجتمع المدني، فلن نكون إلاّ أمام نصر مرحلي، ولن نضمن أن لا تتدفق الدماء مجدداً من باب توما إلى عفرين. وإن نجحت الدول الاستعمارية في تجنيد العديد من مواطني سورية قبل الأزمة لخدمة أجنداتها، فهل سيصعب عليها تجنيد بعض مواطني سورية بعد الأزمة ممن هم أشد جهلاً وفقراً وبؤساً وقهراً؟! لا نقيض للسقوط إلاّ النهوض وليس لنا سواه سبيل.

تمت قراءته 194 مرات