العدد:804
تاريخ:21/ 2/ 2018
 

أن تأتي متأخراً...

قييم هذا الموضوع
(2 أصوات)

الخطوبة هي فترة تعارف شريكي حياة المستقبل وليست محددة بمدة أو وقت، لكن أعرافاً اجتماعية تتحكم في مدتها ومسارها وحدودها أيضاً.

بداية لا بدّ من الإشارة إلى أن مرحلة الخطوبة وليدة المجتمعات المغلقة المحافظة، التي تعزل الفتيات عن الشباب لمجرّد تكوّن الوعي الاجتماعي والجنسي لديهما، بل إن بيئات محافظة كثيرة تعزل الذكور عن الإناث حتى في مرحلة الطفولة، فتأتي ضرورة مرحلة الخطوبة لإتاحة الفرصة للشاب والفتاة ليتعرفا أحدهما على الآخر ويدرس طباع الآخر، فإما أن يتابعا طريقهما إلى قفص الزوجية، أو ينهيا الخطبة لعدم تحقق الانسجام والتفاهم.

أما في المجتمعات المنفتحة فلا ضرورة لهذه الفترة، لأن الاختلاط متاح بين الجنسين في المدرسة والجامعة والعمل، وبالتالي فإن بإمكان كل طرف معرفة الطرف الآخر ودراسة طباعه وميوله واتخاذ قرار الارتباط من عدمه.

ولأن مجتمعنا يغلب عليه طابع المحافظة والتزمّت بدرجات متفاوتة تُعبر فترة الخطوبة من الممهدات الضرورية لبدء حياة زوجية تحقق حداً أدنى من الانسجام والتفاهم بين الشريكين، لكن دون هذا التفاهم والانسجام تنتصب موانع كثيرة تجهض كل ما زرعته فترة الخطوبة من انطباعات لكل طرف عن الطرف الآخر، لأن كلاً منهما يحاول في هذه الفترة إبراز أقصى ما يستطيع من إيجابيات للطرف الآخر، سواء في الشكل أو في المضمون، سواء بالنسبة السمات الشخصية أم العلاقات العائلية أم العادات والأعراف لديهما، وبالقدر ذاته يحاول كل طرف إخفاء العيوب والعلل التي تسم حياته الشخصية أو الاجتماعية.

نأتي الآن إلى احتمال عدم تحقق شرط التفاهم والانسجام بين الشريكين المفترضين، وبالتالي فسخ الخطوبة وانتهاء المحاولة لبناء عش الزوجية، ويأتي اكتشاف حقائق عن الآخر تجعل التعايش معه صعباً إن لم يكن مستحيلاً، فيصح المثل: أن تأتي متأخراً خير من أن لا تأتي أبداً. وتعتبر بكل الحالات أقل ضرراً من الطلاق، إذ لا شيء يترتب عليهما سوى إنهاء العلاقة، أي أن الخطوبة هنا تقابل علاقة حب بين شاب وفتاة تنتهي إلى الفشل في مجتمع منفتح، إذ تليه فترة تأزم الحالة النفسية للشريكين أو لأحدهما، الفتاة غالباًـ ثم تدخل العلاقة عالم الذكريات حتى لا نقول عالم النسيان.

لكن النمائم والأقاويل التي تكثر في المجتمعات المغلقة تجعل من إنهاء الخطوبة عبئاً آخر على الفتاة خصوصاً، إذ تبدأ الافتراضات والشائعات عن سبب إنهاء الخطوبة تنتشر، ومعظمها يضع اللوم على الفتاة، فالشاب لا يعيبه شيء في المجتمع الشرقي، وتصبح الفتاة معرضة لخطر (البوار) و(العنوسة) ويصبح كل من يتقدم إليها من الشباب بعد فشل تجربة الخطوبة يسأل عن السبب ويركبه شيطان الشك.

إن هذه الحالة جزء من الحالة العامة للفتاة في مجتمعنا الشرقي والتي تعتبرها مسؤولة عن كل ما يعتري حياتها وتبرئة الرجل من أي مسؤولية، فهي الطرف الذي يتحتم عليه أن يتحمل الخلل ويدفع ثمنه، وهي الطرف الذي لا يجوز له أن يتمرد على الشريك أو حتى يختلف معه في أي تفصيل، لذلك يجري تحميلها المسؤولية وربما تدفع ثمن ذلك انفضاض الشباب عن التقدم لخطوبتها بسبب هذا الإرث الملعون.

المسألة برمتها مرتبطة بمستوى الوعي المجتمعي الذي يحتاج إلى كثير من العمل والأناة والصبر لتجاوز المفاهيم السائدة وتغيير النظرة المتوارثة إلى المرأة، وفي الطريق إلى ذلك تتحمل المنظمات النسائية والقوى العقلانية والعلمانية مسؤولية كبيرة في تحقيق ما أمكن من خروقات في الجدار الكتيم للتخلف والركود. 

تمت قراءته 150 مرات