العدد:804
تاريخ:21/ 2/ 2018
 

إنها معجزة!

قييم هذا الموضوع
(3 أصوات)

فكرة تأسيس النقابات جاءت على خلفية وجود همّ مشترك ومعاناة واحدة لمن يفترض أن يكونوا من منتسبيها، فكانت نقابات العمال هي السبّاقة في التأسيس والنشاط مع ولادة الفكر الاشتراكي في القرن الثامن عشر، الذي جاء استجابة لنهوض الطبقة الرأسمالية على أنقاض الإقطاع، مع أنه لا فواصل مطلقة بين التشكيلتين، إذ ما زال الإقطاع موجوداً حتى في قلاع الرأسمالية الكبرى.

طبعاً كانت هناك حركات فنية أو أدبية، بل كانت أقرب إلى مدارس تضمُّ في صفوفها فنانين وأدباء، كالسريالية والواقعية وغيرها، لكنها لم تكن ترقى إلى مستوى العمل المنظم كما النقابات والاتحادات التي تأسست لاحقاً، فصارت هناك اتحادات للحرفيين والكتاب والصحفيين والفنانين والشباب والطلاب وحتى للأطفال، وهذه الأخيرة اختصت بها الأنظمة الشمولية التي سعت إلى تأسيس أجيال تتشرب إيديولوجيتها منذ الطفولة إلى الشباب فالرجولة. وأصبح الجزء الفاعل من المجتمع موجوداً في غالبيته ضمن هذه الأطر التي سعت السلطات السياسية إلى احتوائها والسيطرة عليها، فنجحت بحدود مختلفة في الأنظمة الديمقراطية، لكنها حققت نجاحاً ساحقاً في الأنظمة الشمولية، وأصبح كل من يغرد خارج سرب السلطة السياسية خارج اتحاده ومغضوباً عليه.

سميت هذه الظاهرة، التي انفردت بها بلدان الحزب الواحد، بالنقابية السياسية، أي النقابات التي تدور في فلك السلطات، وتقوم هذه السلطات بتعيين قياداتها فتتواصل معها لحل المشاكل (التقنية) والقضايا اليومية التي تخص المنتسبين إليها، مع التأكيد دائماً على انتمائها وإخلاصها لمن وضعها على كراسي المسؤولية، وعدائها لكل من يحاول النيل منها، وكان هذا واضحاً في التجربة السورية مع النقابات والاتحادات منذ عام 1963.

النقابات والاتحادات التي نشطت في سورية منذ خمسة عقود لم تخرج عن هذا السياق، ولم يحصل سوى في مرات نادرة وقصيرة أن حاولت نقابة أو اتحاد التغريد خارج سرب النظام السياسي السائد، فكانت مهمتها سياسية بحتة، وحتى في (نضالها) النقابي كانت تحرص على الالتزام بما تحدده لها السلطة السياسية.

فلم يحصل أن قامت نقابات العمال عندنا بإضراب عن العمل بمعنى الكلمة، إذ كان قانون الطوارئ الذي يحكم سورية مذ ذاك يمنع التجمعات والإضرابات والمظاهرات ويعاقب عليها، ولم يحصل أن قصرت نقابة أو اتحاد في القيام بما يمليه عليها الحزب الحاكم من احتفالات ومسيرات وقتما يشاء في مناسباته وفعالياته.

بل إنها حملت السلاح حين تعرض النظام السياسي لخطر التمرد المسلح الذي قاده تنظيم الإخوان المسلمين في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن الفائت، وعادت إلى المشاركة بفعالية لافتة في قمع الحراك الشعبي الذي انطلق عام ،2011 ثم تحول لاحقاً إلى عصيان مسلح تقوده قوى أصولية ومرتبطة بمشيخات الخليج وتركيا والغرب، وكان دور تنظيم نقابي طلابي كاتحاد الطلبة لافتاً في قمع أي حراك داخل الجامعات، لأن التحركات الطلابية تسحب البساط من تحت ذرائع اتهام الحراك بالسلفية والأصولية والخروج من الجوامع، وكذا شاركت نقابات العمال واتحاد الفلاحين وبقية النقابات والمنظمات في قمع الحراك السلمي في بداياته، وتغييب أي صوت معارض ونفيه خارج الجسم النقابي.

هذا في الجانب السياسي من عمل النقابات والاتحادات في سورية، فماذا عن الجانب المطلبي، وهو مبرر وجودها وعملها؟

كما أسلفنا انحصر عمل هذه التشكيلات في توجيه الكتب ومناشدة السلطة التنفيذية تنفيذ مطالب منتسبيها بالحوار والتفاهم، وهو أمر ضروري وصحيح، أي الحوار مع رب العمل لتنفيذ مطالب العمال مثلاً، لكن صحته وصوابيته مشروطان بوجود أوراق قوة في يد النقابات، وأولها وأهمها سلاح الإضراب، وإعلام مستقل يُعبّر عنها ويوصل صوتها، وقيادات منتخبة فعلياً وملتزمة بهموم زملائها.

لنستعرض مسيرة اتحاد عمال سورية، ولنرَ ماذا حقق للطبقة العاملة خلال العقود السالفة.

إن أبسط مطلب بديهي ومنطقي تتبعه حتى الأنظمة الرأسمالية والامبريالية أيضاً، وهو ربط الأجور بالأسعار، إذ إن هناك سلم أجور متحرك يرتبط بسلم الأسعار في معظم دول العالم دون الحاجة إلى مطالبات وكتب ومراسلات وإضرابات، هذا المطلب العادل والبسيط عجزت نقابات العمال عندنا عن تحقيقه، فكانت الأجور قبل الحرب تتجمّد أو تسير سير السلحفاة، فيما الأسعار تُحلّق، وهذه الظاهرة تضاعفت مرات بعد الحرب، حتى أصبحت أجور العاملين لا تغطي أياماً معدودات من الشهر، وهذه الظاهرة الخطيرة جعلت من الفساد ثقافة عامة ومقبولة شعبياً إلى حدٍّ كبير كحل لهذه المعادلة مستحيلة الحل (راتب لا يكفي لأيام وموظف يعيش هو وعائلته شهرهم به).

وإذا كان صمت السلطة التنفيذية مبرراً نسبياً لتغطية عجزها عن تأمين مصادر لزيادة الأجور، فبماذا نفسر صمت النقابات عن هذا الانهيار الاجتماعي الذي يعود سببه الأول إلى السياسات الاقتصادية الليبرالية، والمصيبة أنها لم تقترن بسياسات ليبرالية في الحقل السياسي والمجتمعي، بل بقيت الأساليب ذاتها في الحقل السياسي، مترافقة بسياسات تنتمي إلى أقصى الليبرالية أحياناً في الحقل الاقتصادي، إنها المعجزة السورية- كما درج الكثيرون على تسميتها سخرية وألماً.

الاتحاد النسائي (المرحوم)، واتحاد الطلبة، والشبيبة، ونقابات المهن (مهندسين، محامين، أطباء....) واتحاد الحرفيين، كلها تخرج خاسرة أمام أي جردة حساب لـ(نضالها) المديد والطويل فيما يتعلق بالدفاع عن مصالح أعضائها الذين لا يشعرون في غالبيتهم بأن هذه النقابات والاتحادات وجدت من أجلهم، بل هي أقرب إلى سلطات أمر واقع تقوم بلجم نشاطهم وتقاسم المنافع مع أجهزة السلطة التنفيذية.

لقد آن الأوان لمراجعة تجربة (النقابات السياسية) في سورية باتجاه جعل النقابات والاتحادات تعبر فعلاً عن المنضوين في صفوفها، وأن تتسع لكل الآراء والانتماءات، على أن تبقى (مدعومة) من السلطة التنفيذية بما يضمن لها الاستمرار في أداء مهامها، بما يعني ذلك من نفقات وبنى تحتية ضمن قوانين معلنة وشفافة، وأن يكون دفاعها عن مصالح منتسبيها غير مرتبط بأجندة سياسية لأي حزب أو حركة أو تجمع سياسي، سواء كان حاكماً أو خارج الحكم.

تمت قراءته 154 مرات