العدد:811
تاريخ:18/ 4/ 2018
 

الآباء والبنون.. الجميع إلى قاع واحد

قييم هذا الموضوع
(2 أصوات)

هو البحث عن قيمة اجتماعية ووضع مادي مريح، وتعويض للآباء عما لم يستطيعوا هم تحقيقه، هو كل هذه الأمور مجتمعة غالباً، ثم يصادفك أن تكون الأسرة ميسورة لكنها تسعى ليكون ابنها طبيباً أو صيدلانياً أو مهندساً وذلك أضعف الإيمان.

أو أن يكون الأبوان طبيبين أو مهندسين تزوجا على أساس حب في مرحلة الجامعة أو العمل، ويريدان للابن أن يكمل (المجد) الذي رسخاه!! وأن يكون مرتاحاً مادياً أيضاً بعد رحيلهما.

هناك مثل يردده الآباء حين ينصحون أولادهم فحواه أن الأب والأم مثله طبعاً، لا يريد لأحد أن يكون أفضل منه ولا أشطر منه، ولا أجمل (منها)، سواء للأبناء والبنات، فهو يريدهم أن يكونوا أحسن منه، وهي تريدهم وتريدهن كذلك وأجمل.

هذه القيم لا أظنها قديمة وراسخة في مجتمعنا، ففي عقود الأربعينيات الخمسينيات والستينيات من القرن الفائت كان خريج الحقوق والآداب والعلوم يحظى بمكانة واحترام كبيرين في أوساط المجتمع، وكان لكلمة أستاذ وقع كبير، لا كما يحصل الآن حين يقال: (يا حرام.. هو أستاذ!).

لكن مع تدهور أحوال الطبقة الوسطى في حقبة السبعينيات وما تلاها، وصعود طبقات جديدة مما سمي بـ(الأثرياء الجدد) أو محدثي النعمة...

مع تدهور أحوال الطبقة الوسطى التي كانت تضم موظفي الدولة وحملة الشهادات بالدرجة الأولى (كان الموظف في الستينيات وبداية السبعينيات يستطيع أن يشتري بيتاً في حي المزة أو القصاع على سبيل المثال دون أن يسرق قرشاً من وظيفته، أما الآن فإنه لا يحلم بحائط أو نافذة في أسوأ حي من العشوائيات التي تكاثرت كالفطر)، حصل تزاحم على المهن التي بقيت باباً للمحافظة على مستوى معيشي مقبول وسمعة ووجاهة اجتماعية جيدة (طبيب، مهندس، صيدلي)، وتدحرجت الاختصاصات الأخرى إلى قاع السلم الاجتماعي، فكنت تجد مدرساً أو خريجاً جامعياً يعمل سائق تكسي أو عاملاً في مطعم أو حتى بائع بسطة، مع الاحترام والتقدير لكل عمل شريف.

هكذا بدأت علامات القبول في الاختصاصات المرغوبة تدخل بورصة ترتفع كل عام حتى أصبحت حلماً للطالب وأهله، ومن هنا جاءت المغريات التي قدمت خلال عقود السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات للشباب والشابات الذين التحقوا بدورات عسكرية وقفز مظلي عن طريق منظمة الشبيبة، وصار (الهبوط) إلى كلية الطب عبر المظلات أمراً شائعاً، وموضوعاً لأكثر من رسم كاريكاتوري.

طبعاً في بلدان العالم المتقدمة لا وجود لتصنيفات كهذه في القبول، هناك اعتبار أكيد لمستوى الطالب خلال دراسته في المواد التي لها علاقة بالاختصاص المطلوب ولميوله، وغير ذلك من اعتبارات ضرورية للحصول على مخرجات إيجابية من التعليم.

لكن ما حصل عندنا أن هذا التزاحم والاستقتال على الفروع (المحترمة) جعل هاوياً للأدب واللغات، أو عاشقاً ومتابعاً للعلوم الاجتماعية والفلسفية، يضطر أن يصبح طبيباً أو مهندساً تحت ضغط الأهل والمجتمع، لأن علاماته أهَّلته لذلك، ولا يمكن أن يقبل الأهل بتسجيله في كلية أدبية وقد أحرز درجات تؤهله لدخول الطب أو الهندسة، فخسره الأدب واللغة والمجتمع ولم يكسبه الطب أو الهندسة، مع التأكيد على وجود استثناءات دائماً هي تأكيد للقاعدة.

الآن يبدو أن الأمور تسير باتجاه تعديل الكفة، فالاختصاصات (الراقية) أصبحت تفوق حاجة المجتمع وسوق العمل، ولولا الحرب وهجرة أعداد كبيرة من الأطباء والمهندسين لكان المجتمع السوري في حالة كفاية كاملة الآن، لكن الأمور تسير في ذلك الاتجاه بوتيرة عالية، والاقتصاد والحياة تفرض قوانينها ومعطياتها على الجميع، فأي مدرس ناجح الآن أو مترجم أو حقوقي لا يقل أهمية اجتماعية ووضعاً مادياً عن الأطباء والمهندسين، بل أصبحت الكفة تميل إلى العكس مما كان، فالمهندس الموظف (معتر) مثل غيره من موظفي البلد، ولا يميزه سوى لقب يحتفظ ببعض بريق الماضي المجيد، وينطبق الأمر بدرجة أقل على الطبيب الذي لا يجد ثمن عيادة في منطقة راقية أو ثمن تجهيزات للعيادة، والصيدلي الذي يضطر إلى تأجير شهادته.

هكذا لن تلبث الأمور أن تعود إلى نصابها ونصبح كلنا في (التعتير) سواء.

 

تمت قراءته 258 مرات