العدد:791
تاريخ:15/ 11/ 2017
 

الحرية مرآة العقل

قييم هذا الموضوع
(2 أصوات)

 الكل يحتفظ بذهنه اليوم باحتمال منطقي بأنه من الممكن ألا يكون هناك مخرج للأزمة التي نمرُّ بها، وبأننا في حالة سقوط، والخيار الوحيد المتبقي هو اختيار مكان هذا السّقوط وشكله، فإن كل ما نملكه من معرفة واضح أنه لم ينجِنا من هذا السقوط
وإن من أعظم الأسباب التي أدت لهذا السقوط هو نُظُم التفكير والمشاعر المفروضة على العقلية العربية.

 كان لدينا طرق واسعة وآمنه لنسير بها، لكن كان عندنا أيضاً إصرار غريب على السّير بالأزقة الضيقة، المكتظة بالعبثِ والفوضى. نعم على كل إنسان أن يغوص بداخله بفوضى فكرية وعقلية
ولكن يجب أن يتفق هذا مع وجود إدراك ذاتي ووعي حقيقي بأنه يبحث بداخله عمّا ينفعه للسيطرة على عقله وأفكاره كي يبقى على اتصال دائم مع الوعي البشري وفعاليته، ليكون قادراً على تعريف مشكلاته بنفسه واكتشاف الأسلوب والهدف الذي يجب أن تُعاش فيه ولأجله هذه الحياة، وبالتالي كيفية مواجهة مشكلاتها.

لكن الجهل المسيطر علينا مُحبب لنا واخترناه كمكان إقامة دائم، بل وبنينا فيه بيوتاً من الشّعارات والأحلام والأوهام بحثاً عن الحرية، مع أنه لا يمكن لأحد أن يمنعنا من أن نعيش أحراراً
لأن الحرية نشاط عملي في صلب عقولنا، الحرية ليست فقط أن تفعل ما تريد، وليست مشكلة اجتماعية أو عدم التوافق والاتفاق اجتماعياً مع المحيط، المشكلة في السؤال الأهمّ: حر من ماذا؟ ولأجل ماذا!!؟

يمكن أن يكون وقع كلمة الحرية على الأذن جميلاً، تعبير لغوي رحب ولكنه ليس موضوعاً إنسانياً. اعتقد أنه علينا قبل المطالبة بالحرية وتحديد طموحاتنا لإدارة حياتنا بحرية فعلاً أن نُقرر مصيرنا الأخلاقي في هذا العالم أولاً
ثم نبدأ تباعاً ببناء مواطنة كونية على أسس متينة من المعرفة والتفهّم والشعور الإنساني الصرف، معرفة ستُنجب الحرية المعافاة، والإرادة السليمة الممتلئة بالواقعية والمنطقية، فليس من الممكن أن يمسك الجهل وبحرية
مطلقة عنان الواقع ويقودنا إلى المستقبل الذي نحلم، فبالعلم والمعرفة والوعي الإنساني والأخلاقي، وتقبّل الاختلاف، واتباع أفضل الطرق لحل الخلاف يمكن أن نعيش الحرية الحقيقية دون أن تكون فقط سلوكاً عشوائياً وإقصائياً غير مدروس وغير واضح الوسيلة والغاية. فكلما تعلمنا أكثر وارتفعت درجة وعينا ومارسنا التربية بطريقة أفضل كانت مخاطر
الحرية أقل والعكس صحيح، فلا حرية لجاهل، ولا ثمرة تُرتجى من فكر مُعاق. إن اتساع الوعي والثقافة، ثقافة قبول الآخر واحترام حقوقه، والالتزام الحقيقي بالواجب، سيخلق فناءً واسعاً من الحريات المجتمعية التي تطالب بحقوقها على نحو حضاري ومنطقي وأخلاقي، فلا تعريف للحرية إلاّ بمعرفة قيمة الإنسان وقيمة العقل، وتقديس قيمة الحياة بسلام
وتطوير حال المجتمع للأفضل، وكل حرية غير ذلك ممّا تختلط وتتضارب بشكل سلبي مع حريات الآخرين وحقوقهم، وأمن وسلامة الدولة تُعتبر فوضى خلاقة تجلب لا الأزمات والدمار والفوضى وحسب، بل وتعزز أيضاً الجهل والتخلف والفساد والتصدّع في بُنى المجتمع ككل ، بل لا تقوم الدول إلاّ على عقول أبنائها، ولا تعمل العقول إلاّ بانفتاحها على أوسع مدى
لتقليص الجهل ما أمكن في كل يوم، فلا مكان لحرية حقيقية خلاقة وناهضة إلاّ بالوعي والمعرفة، ولا مجال للخروج من الأزمات والحروب والمشكلات الأخلاقية إلاّ بضخ الوعي في الشريان الجمعي، وتهيئة الظروف السليمة للحريات المنبثقة عن الفكر الواعي، الذي يُتقن نبرة المطالبة بالقيم والحقوق.

 

تمت قراءته 216 مرات