العدد:811
تاريخ:18/ 4/ 2018
 

لا تولد الحريّة من رحم الجهل

قييم هذا الموضوع
(1 تصويت)

 تتزاحم الأفعال وتتلاطم في كل المجتمعات لتُوجد الحرية وتتغنى بها، لكن لا يكفي فقط التغني بحرية مكبلة بطوق من الجهل مرصع بعادات وتقاليد أكل عليها الدهر وشرب، فلا يمكن لأي شعب أن يتقدم بخطوات إلى الأمام ويقول عن نفسه إنه خلع ثوب الجهل،
مع خلع الثوب الطويل وغطاء الرأس فقط، متجاهلين أن في الفكر نبتة سامة هي التخلف يتوجب علينا اقتلاعها من جذورها قبل قلع ثوبنا الفضفاض الخارجي، لذلك لا بدّ من المعرفة والتعلّم والثقافة نزرعها في عقولنا وعقول أطفالنا بذور
حكمة ومعرفة، لتنبت رويداً رويداً وتزهر لنا وعياً يجعلنا ندرك المعنى الحقيقي للحرية ونصدح به ابتداءً من المدرسة ومع أول ألف وباء نطق بها أبناؤنا، وبعدها في الجامعات مع عنفوان شباب حرّ عرف طعم الحياة وقرر أن يطرق الأبواب بالكلمة
ليكون زمننا هذا زمن الفكر المُشرّعة أبوابه للشمس الساطعة بنـور الحكمة المزهرة من عمق العلوم والمعارف، فلتنطلق حريتنا من الجامعات بتعزيز البحث العلمي وفتح آفاق الطلاب، بدل أن تنطلق من الجوامع والكنائس
اجعلوها تنطلق من الكلمة المُعبّرة عن علم الحكيم والمدرس والمحامي والمهندس، لا من أفواه الدعاة والكهنة والمبشرين، اجعلوها تخرج من حلم طفل يزهر بالحياة مع أحرفه الأبجدية وألعابه ونشاطه
وليس من التشرد والجوع والقهر الذي ألمّ بأطفالنا مع أول صرخة حرية صدحت منذ سبع سنوات واستغلها دعاة مبشرين بالجهل والقتل والدم، فتشردت معها الأُسر وهُجّرت أحلام الشباب قبل أن يهاجروا بحثاً عن أمانهم وعلمهم 
قتلت سكينة المسنين على قارعة الطريق مع تهدم السقف وتكسر الجدران، قتلت الأجنة قبل أن تلج للحياة مع قلّة الشبان والانشغال بالعمل عن الزواج.

 أزمتنا لم تنجب حرية وزماننا هذا لم يلد أحراراً لأنهم قتلوا الحرية، ومن رحم الفكر اغتالوها قبل أن تصدح بها حناجر الأحرار، حريتنا استغلها دعاة كلٌّ من منظوره، ليخرجها لنا عبر مكبرات الصوت بالخطب والساحات ملونة بألوانه الشاحبة
التي جعلت من لوحة المحبة والحياة لوحة للموت والقهر، فلا حرية تأتي مع عبودية مفروضة وشعب كله آذان مصغية لخطب الجمعة وقداس الأحد، فالحرية والأحرار يولدون من قلب الآلات النابضة بمصانع المدن مع العمال
ومن صوت المحراث في الأرياف مع الفلاحين، ومن قلب الكتب والأناشيد الحالمة من فم الطلبة، من عنفوان شباب حر في الجامعات، حريتنا تأتي مع كل من حمل راية الفكر الحر علماً مرفرفاً بحب الحياة
وومضة أمل وسطوع فكرة جديدة للتقدم العلمي، لذلك لا يمكننا إلاّ أن نقول لا حرية إلاّ بالعلم لأنه السم القاتل للجهل، ولم تكن الحرية يوماً بقلع الثوب الطويل عن أجسادنا وارتداء العصري منها، إنما باستئصال الورم الخبيث من فكرنا ألا وهو الجهل.

 

تمت قراءته 255 مرات