العدد:799
تاريخ:17/ 1/ 2018
 

العلم المستقر كالجهل المستقر

قييم هذا الموضوع
(4 أصوات)

(الحرية هي وعي الضرورة)، بهذا القول المختصر والشاسع لكارل ماركس يمكن تحديد مفهوم آخر يتكامل ويتسامق مع مقولة هوغو (تبدأ الحرية حيثما ينتهي الجهل).

فالعالِمْ والمثقف عموماً حر حتى لو وُجِدَ في بيئة استبدادية سياسياً أو اجتماعياً أو دينياً...الخ، وما زلت أذكر صديقاً مثقفاً فتح مكتبة في حي شعبي فقير من دمشق حيث أسكن، وعلّق ورقة طبع عليها عبارة: (كن مثقفا تكن حراً).
وبقيت هذه العبارة إلى أن اندلعت الاحتجاجات في الحي وراحت المكتبة والعبارة وراح الحي إلى إشعار آخر.

آلاف العبارات والأقوال والحكم تُحاكي هذه القضية، الجهل والحرية، أو علاقة الحرية بمستوى الوعي.
فمن الإمام الغزالي: (ما جادلتُ عالماً إلاّ غلبته، وما جادلتُ جاهلاً إلاّ غلبني)... إلى قول الشاعر: (وأخو الجهل في الجهالة ينعمُ)

لكن مهلاً... لنتوقف قليلاً عند النفري: (العلم المستقر كالجهل المستقر).

تماماً، العلم والمعارف التي لا تحركها رياح الحياة وعواصفها ولا تتبلل بالمطر والسيول، لا تتلوث أقدامها بوحول الطرقات البعيدة، ولا تناوشها رياح الجبال، هي مجرد كمّ من المعلومات تموت في ذهن صاحبها قبل أن يموت هو.

العلم الذي يبقى أسير المُسلّمات والبديهيات الكسولة هو جهل مستقر...

في ظروفنا هذه، حيث آلاف المدارس قد دُمرت وتحولت إلى أنقاض أو إلى مآوي للمهجرين من بيوتهم، ومئات آلاف الطلاب حرموا من حقهم في التعليم، وتحولوا إلى رافد جديد لجيش الأميين العرمرم.
هؤلاء يعدوننا بمجتمع سوري بعد الحرب يُشابه إلى حدٍّ ما المجتمع الذي ورثناه عن الاحتلال العثماني البغيض، نسب أمية هائلة، الأمية بشكليها الحضارية والأبجدية، وتعصب أعمى يرافق هذا الجهل، فماذا نحن فاعلون؟

لا بدّ من أن تتضافر جهود الدولة السورية القادمة بعد انتهاء الحرب، مع المنظمات الأهلية والمجتمع المدني، لتنفيذ حملات فعلية لمحو الأمية والتوعية ورفع مستوى الوعي بين النساء خصوصاً، لأنهن الفئة الأكثر حرماناً من حق التعليم قبل الحرب وبعدها.

ثم، حينئذ يمكن أن نتحدث عن الحرية، حرية الجميع في اختيار القادة والأحزاب والخيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وإلى ذلك اليوم الذي يبدو بعيداً لا بدّ من منح الحرية كاملة بعيداً عن الضغوط
والخوف للنخب الثقافية والسياسية والمجتمعية للتعبير عن نبض الناس ورسم مستقبل البلاد بعيداً أيضاً عن الذهنية الحزبية والفئوية والأيديولوجية الضيّقة، نحو سورية جديدة علمانية ديمقراطية لكل أبنائها.

 

تمت قراءته 185 مرات