العدد:783
تاريخ: 20/ 9/ 2017
 

قوانين مُهينة أكثر من الجرم

قييم هذا الموضوع
(1 تصويت)

 

 جاءني ذات يوم اتصال هاتفيّ من شخصٍ لم يذكر اسمه، ولم أكد أنطق (ألو) حتى انهالت على مسامعي كلماتٌ وتوصيفٌ لم أسمعه من قبل.. ذُهلت وخفت بادئ الأمر، لكني، بحكم الثقة المتبادلة بيني وبين أمي، رويت لها كل ما سمعته، فقامت بدور رجل التحرِّي للتَّعرُّف على المتصل الوقح، وبعد حين تمكنت من التَّعرف عليه فأخبرتني وحذَّرتني...

كان أحد شبَّان الحارة السَّيئي السُّمعة، محاولاً الإساءة لي اجتماعياً وفي بيتي لأني لم أعره اهتماماً شأني شأن فتيات الحارة اللواتي لم تنجُ واحدةٌ منهنَّ من تحرُّشاته التي وصلت إلى مواصيل بعيدة المدى، إلاّ أن أحداً لم يتجرَّأ على الحديث عما يحصل، إلاّ أمي، فقد ذهبت إلى بيته والتقت والدته وشرحت لها ما حصل، وحذَّرتها من تكراره...
أذكر يومذاك كيف وصفت لي أمي دموع والدته الخجولة من شناعة مسلكية ابنها وتصرفاته، في حين وضَّحت لها كيفية تعامله مع أخواته البنات ومنعهن من الخروج من المنزل أوالتَّكلُّم مع أيِّ شخص، لظنِّه أن جميع الشَّباب يحملون صفاته القذرة..

هذه الحادثة جعلتني أخوض غمار نقاشاتٍ عدَّة مع أمي وغيرها عن مبدأ الحقوق والحرية الشخصية، وفكرة صون كيان الإنسان واحترامه من قبل الآخر المتحرِّش الذي يعطي لنفسه الأحقية بالاقتراب مما ليس من حقِّه والمساس به.
بعض الآراء برَّرت بأنه إنسانٌ مختلٌّ عقلياً، لكن ذلك لم يرق لي، فالمختل مختلٌّ بكل تصرفاته ومسلكياته، وليس قادراً على الإمساك بزمام نفسه ليختلَّ بجانب بينما يكون سوياً في جانبٍ آخر، ولم يقنعني آنذاك سوى والدتي التي أكَّدت لي أن هذا الرأي ما هو إلاّ تبرير من المجتمع لذاك الشخص ليتحوَّل هو أيضاً من مجرمٍ إلى ضحية، فيما تتغافل العيون عن الضَّحية الحقيقية التي إن تكلَّمت وطالبت بحقِّها تحولت إلى مجرمة.

ولأني شعرت بأنِّي ضحية، فكرت في البحث عمَّن يعيد لي حقي، ولم أشأ اللُّجوء إلى ذكور العائلة كي لا تتحول الحادثة إلى سبب مباشر وعلني لاستعراض عضلات الذُّكورة التي لن تعيد لي ما انتهك، ففكرت باللُّجوء إلى الشُّرطة والقضاء باعتبارهما الملجأ الحقيقي لكل مظلوم، لكنَّ الصَّدمة كانت أكبر وأعمق، فرجال الشُّرطة تناولوا الموضوع بسخرية وبمنظور ذكوريتهم...  (كلها تلطيشة!) أو (لوما كانت بتستاهل ما حكى أو عمل معها شي!).
وتأتي المادة 506 من قانون العقوبات السوري وتكمل المعضلة:
(يعاقب من يتلفظ بكلام مُخلّ بالحشمة بالحبس التكديري، ولمن عرض على قاصر لم يتمّ الخامسة عشرة من عمره، أو على فتاة أو امرأة لهما من العمر أكثر من خمس عشرة سنة عملاً منافياً للحياء، أو وجَّه لأحدهم كلاماً مُخلاً بالحشمة، عوقب بالحبس التكديري لمدة ثلاثة أيام أو بغرامة مالية لا تزيد عن خمسٍ وسبعين ليرةً سوريةً، أو بالعقوبتين معاً).

أهذه هي العقوبة الرَّادعة؟

كيف يتحول الجاني إلى مجنيّ عليه؟ ومتى سنتخلص من فكرة إلقاء اللوم على الفتاة بأنها السبب الذي دفع الشاب، الذي هو في حقيقة الأمر مُختل اجتماعياً وأخلاقياً، لينتهك كرامتها؟! لكننا لن نصمت، سنبقى ندافع عن أنفسنا بكل الوسائل، حتى نفرض على مؤسسة القانون أن تتعامل مع الأمر بجدِّيةٍ أكثر، وأن تعطي كل ذي حقٍّ حقَّه.

 

تمت قراءته 47 مرات