العدد:791
تاريخ:15/ 11/ 2017
 

ما بين الواقع والواقع الافتراضي!

قييم هذا الموضوع
(2 أصوات)

إنه افتراضي أم واقعي هذا العالم الذي نحياه ولا نحياه! أهو الحقيقة أم انعكاسها؟

هل عالم الإنترنت والحاسوب ووسائل العصر التكنولوجية مجرد تطبيقات وبرامج تواصل بشري أم أكبر من ذلك بكثير..؟ بل لعلّ ذلك العالم هو خيالي وافتراضي بقدر ما هو حقيقي يحيط بنا وهو معنا في كل وقت..

لكن، هل نعرف عنه القدر الكافي مما يجب؟  تتعدد وتختلف الإجابات حول ماهية علاقتنا بهذه العوالم ومعناها في حدود الفهم والوعي.
فالبعض يراها على أنها وجود زمكاني صرف، ويراها آخرون افتراضية تعود بالنفع متعة أو علماً أو ما شابه،  فهي تتناسب وإدراك روّادها واهتمامهم، فتهبط وتعلو بمحتواها بمقدار ذلك الماثل بين خيوط هذه الشبكة العنكبوتية حقاً..
وباعتقادي تتضح حقيقة العلم وغايته كما يفرد الفيلسوف هيغل بنسقيته المثاليه حول الجوهر:
(لقد كنت خلال تكويني العلمي ابتداءً بحاجات الإنسان الأكثر إلحاحاً وأولوية مدفوعاً بالعلم ليتصيّر جوهر الشباب بطور العلم والتفكر) فيوضح بذلك أن العلم والمعرفة والتفكّر أيضاً هم الجوهر، ومن المنطقي أن يسعى الجنس البشري لتحقيقه في ذاته.

 إذاً لا مشكلة مع العلم، ولكن المفارقة تقع في كيفية الانتفاع بهذا العلم، فاتباعه على نحو غير أصلي وغير أخلاقي سيمنع ويقوّض تحقيق الغائية منه، وغير ذلك فسيشق أحد حدّيه طريقاً سهلة للإنسان، والحدّ الآخر سيبتر عضواً في هذا الإنسان ذاته نتيجة لسوء استخدام العلم.
فالانجرار الأعمى والانصهار اللاواعي في عالم من عوالم التكنولوجيا(الإنترنت) سيؤدي حتماً إلى نتائج كارثية على نفسية الفرد والمجتمع المحلي والعالمي إذا ما أخذنا بعين الاعتبار النسب العالية لتعداد مرتادي شبكة الانترنت ومدمنيها بشكل غير واعٍ أو مدروس،
لاسيما شريحة صغار السن والناشئين، وبذلك نجد أن مانسبته53.2% من سكان الصين مثلاً أي ما يعادل 780 مليوناً هم من مدمني الإنترنت من كل الشرائح العمرية، وسجلت الدول العربية نسبة غير قليلة بهذا الخصوص بحسب إحصائيات وكالة الأنباء الفرنسية (AFP)
فمع هذا التعداد الهائل غير المستقر، هل يمكن تخيّل حال الكائن البشري فيما لو استخدمت هذه النسب الشبكة بشكل خاطئ، إذ تشير الدراسات أيضاً إلى أن متوسط زمن جلوس كل فرد إلى الإنترنت ما يعادل ست ساعات على الأقل يومياً،
وبهذا الولع والتعلّق بالشبكة العنكبوتية سيهوي مدمنها إلى حالة من العزلة الحقيقية مع مجتمع يبقى افتراضياً بطبعه، هذا بغض النظر عن البراغماتية بين الشخص والشبكة وما يستهويه ويعزز إدمانه..
فإنها ستنعكس بشكل سلبي جداً على شخصيته وبنسبة أكبر على حالته النّفسية فتسبب اكتئاباً يصبح حالة ملازمة لحالة الإدمان وزيادة الشعور بالوحدة، ويؤدي ذلك إلى إنتاج عدم القدرة على التوافق الاجتماعي مع المحيط كالعائلة والأصدقاء والجوار، والعمل بعيداً عن العوالم الافتراضية الخاضعة لمزاجية الشخص،
مما سيؤدي حتماً إلى هروب الشخص المدمن للإنترنت ولجوئه إلى عالمه الخاص ليتلذذ به ويتسيد ويُساد بشكل افتراضي خطير، وبحسب الأطباء (نفسيين وعضويين) فإن الوحدة والعزلة التي تخلق الاكتئاب تسير بالإنسان إلى مخاطر وأمراض حقيقة نفسية منها وعضوية تختلف ما بين اختلاجات عصبية ونوبات قلبية،
فاحتكاك الفرد بمجتمعه الحقيقي ومحيطه الفعلي أمر ضروري جداً، لأنه يساهم بشكل كبير بتنمية مدارك الإنسان وزيادة مقدرته على الفهم انطلاقاً من واقعه، فكما يُقال إن الحياة مدرسة والمجتمع مليء بالتجارب يدعم الشعور بالاقتراب للكمال فيما لو اتبع تنمية فكرية وعلمية سليمة،
ولا بأس أن يكون لوسائل العصر المتطورة يد بيضاء في هذا.. ولكن يجب أن يكون الدور الأكبر للأسرة والمجتمع ليُتاح فهم الواقع وتبايناته والواقع الافتراضي وتبدلاته.

تمت قراءته 114 مرات