العدد:777
تاريخ: 26/ تموز/ 2017
 

ما الكامن وراء ظاهرة استغلال المتشددين للشباب؟

قييم هذا الموضوع
(15 أصوات)

 ما لفت ويلفت الانتباه منذ ما قبل الاحتجاجات التي قامت في بعض البلدان العربية وأثناءها، هو الحضور الكبير للشباب المتشدد دينياً من أعمار فتية وشابّة، يُتوقع منهم الميل باتجاه الحضارة وتقنياتها الحديثة بكل اتجاهاتها.
وأعتقد أن هناك أسباباً وجيهة وعميقة الجذور دفعت بتلك الشرائح إلى هذا المصير الذي عززه تراجع المجتمع إلى حالة توصف في أفضل الأحوال بالمتدينة، رغم أنها في الغالب محافظة ومتشددة. فما هي تلك الأسباب؟

وضع الأسرة وأساليبها التربوية

للأسرة دور رئيسي وهام في تكوين شخصية الإنسان وميوله واستعداداته كافة سواء كانت إيجابية أم سلبية، فإذا ما كانت تلك التربية قائمة على أساليب تسلطية عنفية تُقلل من قيمة الأبناء أو تهمّش حضورهم ومكانتهم في الأسرة، فإنها غالباً ما تدفع بهم إلى  الهروب نحو فضاءات أخرى تكون أقل قسوة عليهم وأكثر احتراماً لهم،
إضافة إلى تخلخل كيان الأسرة في حال الخلافات الزوجية التي ترتكز في كثير من الأحيان على الشجارات والعنف وعدم الاحترام، ويأتي الطلاق أو وفاة أحد الأبوين وزواج الآخر في كثير من الأحيان ليكون عاملاً مساهماً وبقوة في تشتت الأبناء وهروبهم إلى أماكن أخرى قد تدمّر مستقبلهم.

المناهج التعليمية وطرائق التدريس وتهميش البحث العلمي

يتبع واضعو المناهج أو القيّمون عليها أساليب قائمة أساساً على الحشو واللغو الخالي من كل فائدة أو متعة، بدل تقديم معلومات علمية- عملية تتناسب والتطور الحضاري في مجالات العلوم كافة، التجريدية والتجريبية والإنسانية، إضافة إلى أن بعضها لم يعد ملائماً ولا متماشياً مع روح العصر والتطور العلمي والتقني،
وفوق كل هذا وذاك يجري بشكل اعتباطي ومفاجئ اعتماد مناهج مستوردة لم تأخذ بالحسبان الفوارق الاجتماعية والتربوية وحتى العلمية والتقنية بين المجتمعات، مما يخلق هوّة كبيرة بين ما يُعايشه الطالب في الواقع،
وما يتعرف إليه من خلال هذه المناهج التي تتركه مشتتاً بين ما عززته التربية الأسرية- الدينية المتشددة أحياناً، ومناهج تحمل أحياناً بُعداً مخالفاً أو مغايراً لموروثه التربوي، فيغدو غير قادر على الربط والتحليل بشكل جيد.

أما ما يختص بطرائق التدريس فحدّث ولا حرج عن تخلّف تلك الطرائق رغم كل الآليات والسبل التي جرى مؤخراً تطويرها والعمل على أساسها، لكنها فشلت بسبب عدم توافر البنية التحتية المناسبة،
وعدم تأهيل الكوادر البشرية بشكل مناسب، وبذلك بقيت طرائق التدريس تعتمد غالباً التلقين للطالب، ومطلوب منه الحفظ الأصم دون أية فاعلية تُذكر، بدليل نسيانه معظم المعلومات حين الانتقال من سنة دراسية إلى أخرى أو من مرحلة إلى أخرى.

إنّ مجمل هذا الوضع يُشعر الطالب بأنه ليس فاعلاً، بدل السعي للكشف عن ميوله ومواهبه ونبوغه ربما، وبذلك ينتقل من حيّز الفاعلية والعطاء إلى مجرد صندوق لحفظ المعلومات التي تلقنها، وما عليه سوى استرجاعها كاملة أثناء الامتحانات ونتائجها التي تُعتبر مقياس نجاحه أو فشله منذ سنوات التعليم الأولى وحتى التعليم الجامعي الخاضع للمنهجية ذاتها والطرائق البعيدة كلياً عن المستوى العلمي والأكاديمي المطلوب،
يُضاف إلى ذلك أن البحث العلمي الحقيقي والفعّال والمنوط بالجامعات يُلاقي إهمالاً في مستويات التعليم العالي كافة من خلال عدم التشجيع من جهة، ومن جهة أخرى أهم وهي عدم رصد الميزانيات الكافية التي يحتاجها هذا المجال،
إذ تُعتبر ميزانيات الدول العربية من أدنى الميزانيات المخصصة للبحث العلمي، مقارنة بالميزانيات الضخمة المخصصة لمجالات غير مجدية من ناحية أخرى.

الفقر والبطالة والوضع الاقتصادي المتردي

إن السياسات الاقتصادية المتّبعة منذ عقود أدت إلى إفقار فئات واسعة من الشرائح الاجتماعية، لاسيما الدنيا منها، خاصّةً بعد أن تخلّت الدولة عن دورها الاجتماعي في دعم تلك الشرائح، إضافة إلى الهوة الشاسعة ما بين الأجور
والرواتب مدعّمةً بالضرائب التي يجب تأديتها لخزينة الحكومة فقط من أجور العمال وتعب الفلاحين وجهد صغار الكسبة والعاملين بأجر، وارتفاع نسبة البطالة في المجتمع إلى مستويات قياسية لاسيما في أوساط الشباب وخريجي الجامعات.

فشل الأحزاب السياسية في استقطاب الشباب

تتحمل الأحزاب السياسية قسطاً وافراً من المسؤولية تجاه الشباب وما آل إليه مصيرهم، وعدم الانتباه فعلياً إلى الطاقات الكامنة لديهم، ذلك أن مرحلة الشباب تتصف بالحيوية والنشاط في مختلف المستويات الاجتماعية والسياسية والأخلاقية،
وكذلك إيمانهم العميق بقدرتهم على تغيير العالم من خلال ما يحملونه من قيم ومبادئ ورؤى ثورية تجد متنفسها حسب اعتقادهم في الانتماء للأحزاب السياسية التي يعتبرونها الملاذ والمكان المناسب والمُهيأ لتحقيق كل الأحلام الطموحات الثورية.
غير أن هذه الأحزاب لم تولِ أولئك الشباب الاهتمام الكافي إلاّ من خلال تأدية مهام وأنشطة لم تكن بالمستوى المناسب لطموحاتهم وإمكاناتهم غير المحدودة، وبذلك جرى تأطيرهم في نطاق عديم التأثير والفاعلية،
ما دفع بالعديد منهم إما إلى التسيّب أو هجر تلك الأحزاب إلى اتجاهات وتيارات غالبيتها متشددة عرفت تماماً كيف تلامس احتياجاتهم، فاستقطبتهم بأسهل ما يكون من مغريات مادية ومعنوية يتمثل بعضها بالمال الوفير، والسلاح حالياً، الذي يُعتبر نفوذاً داعماً لشخصية فذّة، برأي الشباب.

تهميش الشباب في الخطط والسياسات الحكومية المتّبعة

نعود مجدداً للتطرق إلى السياسات الحكومية التي عملت على تهميش المجتمع بأكمله، وذلك بإخراجه من نطاق الفعل الحقيقي والخلاّق، إلى نطاق المفعول به، والذي ما عليه إلاّ تأييد وقبول كل ما يصدر عنها مشكورة سواء أكان جديراً بالقبول أم لا،
والشباب هم الشريحة الأكبر في المجتمع، التي يُفترض أن تلقى الرعاية والاهتمام والاحتواء، لتكون فعلاً عماد تطور المجتمع ورقيّه.
غير أن ما كان يجري وما زال خلال الأزمة التي تعيشها البلاد هو العكس، رغم تأكيد الدستور على رعاية الشباب رعاية تليق بما هو منوط بهم من مسؤوليات وتحديات.
وقد كان من الأجدى إحداث وزارة خاصة بهم، معنية بهمومهم وقضاياهم، غير أننا نجد معظم الخطط الحكومية تكاد تخلو إلاّ فيما ندر من ذكر الشباب واحتياجاتهم سواء عملياً أم نظرياً من خلال إعداد الدراسات الجادة والمعمّقة لأضاع الشباب - باستثناء بعض الدراسات التي أعدتها الهيئة السورية لشؤون الأسرة- مع أنهم الضاغط الأكبر من حيث نسبتهم إلى السكان،
ومن حيث متطلباتهم بعد خروجهم بأعداد كبيرة إلى سوق العمل، التي لا تستوعب سوى نسبة ضئيلة من ذوي النفوذ والمحسوبيات وسواهما، وهذا بالتالي يؤدي إلى خيبة أمل شبابنا في إيجاد عمل يتمكنون بواسطته من الوصول إلى حقوقهم والاستعداد لمتطلبات حياتهم المستقبلية، ونتيجة تلك الخيبة فقد ارتفعت نسبة العنوسة في أوساط الشباب من الجنسين إلى حدود لم يعهدها المجتمع سابقاً،
ومعلوم أن العنوسة تأخذ أولئك الشباب إلى مسارات الانحراف والتشوّه القيمي والأخلاقي والنفسي على المستوى الشخصي، وعلى مستوى النظرة إلى حق العمل من جهة، وإلى مفهوم الزواج من جهة أخرى.

إنّ مجمل هذه الأسباب وسواها قد دفعت بمعظم الشباب إمّا إلى الهجرة خارج البلاد، أو إلى سلوكيات واتجاهات أضرّت بتلك الفئة المعوّل عليها في بناء الوطن، من خلال الهروب من الواقع الممضّ والمرير إما إلى المخدرات وما شابهها أو الانتماء إلى تيارات متشددة لامست صميم ألم الشباب ووجعهم،
فاستقطبتهم بالمال وتوكيد الذات واحترامها، بأن أناطت بهم أعمال ومسؤوليات أشعرتهم بقيمتهم وأهميتهم، يتوَّج كل ذلك بالإيمان العميق والمتجذّر بالجنة التي ستعوّضهم مُتع الدنيا وبهجتها.   

فهل تعي حكوماتنا الموقرة وسائر الجهات المعنية المذكورة أعلاه مدى استنزاف طاقات المجتمع بهجرة شبابه إلى الخارج، وتغريبهم عن أنفسهم ومجتمعهم داخلياً ومدى تأثير ذلك على الدولة والفرد والمجتمع..؟ 

 

تمت قراءته 164 مرات
إيمان أحمد ونوس

ناشطة بقضايا المرأة والطفولة