العدد:783
تاريخ: 20/ 9/ 2017
 

لن يبقى الظلام مخيِّماً

قييم هذا الموضوع
(1 تصويت)

لم يكن الفكر الديني مرافقاً للإنسان في نشأته الأولى، لكن جهله بمختلف الظواهر التي كان يراها حوله، وبالتالي خوفه منها جعله يعزو كل مجهول إلى قوة خفية أسماها إلهاً، وتعددت تلك الآلهة مع تعدد الظواهر، وظهرت فكرة التبعية وعبادة تلك الآلهة..

ورويداً رويداً، حين بدأت التجمعات البشرية التي شكّلت اللبنات الأولى للمجتمعات، ظهرت الحاجة إلى فكرٍ يساعد على تنظيمها وابتكار القيم التي تساهم في نموها ومن ثم قوننة حياتها، فكان أن نشأ أولاً الفكر الديني الذي حُمِّل كل ما لا تفسير له وردّه إلى الخالق/ الإله.

ومن الأفكار التي جرى العمل بها وعليها فكرة العقاب والثواب من خلال حياة ما بعد الموت، التي تجسَّدت بفكرة الجنة والنار، حيث يقوم الخالق بمحاسبة كل إنسان وتصفية أعماله لتكون نتيجته إما ثواباً يدخله الجنة، أو عقاباً يدخله النار، وكان أن حُكِم الناس بالدين ورجاله.

ومع مرور الأيام وإعمال العقل، أخذت الأسباب التي أدّت إلى خلق فكرة الرموز والآلهة تتلاشى شيئاً فشيئاً، من منطلق إن عُرف السبب بَطُل العجب...
إلى أن تمكنت بعض التيارات العلمانية التي تعتمد العقل والعلم لتفسير كل شيء من كسر ذاك الحكم والانتقال إلى مفهوم الدولة المدنية التي لها مقوِّماتها، مع إبقاء العامل الديني كشيء منفصل وشخصي بحت.

إلاّ أن من لم يرق له هذا النمط من الحكم الذي لا يحقّق له غاياته وأهدافه، استغلَّ عدم قدرة العلم حتى اليوم على تفسير بعض الظواهر المرعبة كالموت، أو الإجابة عن بعض التساؤلات كالحياة ما بعد الموت، ساعده على ذلك في العقود الأخيرة انحسار المد العلماني الذي تمثل بالأحزاب والتيارات اليسارية التي سادت سابقاً،
ما أدى إلى تقهقر المجتمع وارتداد غالبيته، لاسيما من اليسار نحو الفكر الديني الذي يعمل على تخليص الإنسان من تأنيب الضمير، بأن يلقي كل شيء على عاتق ذاك الخالق، الذي يعطي الأمل بالغد حتى لو كان ذلك الغد هو حياة ما بعد الموت، فتعزَّز التعلُّق بالغيبيات على مختلف أشكالها المتمثلة غالباً بالرموز الدينية، وتشبث الناس بها.
وها هو إنسان اليوم وفي ظلّ كل الأهوال التي نحياها يتمسك بها أكثر، لأنها تعطيه حالةً من الحماية الجمعية، فالقبيلة تمنح الحماية، والطائفة تعطي الشعور بالأمان المفقود، وأشد الصور وضوحاً هو تحوُّل أي حراك مجتمعي من شكله السياسي المدني إلى شكلٍ ديني بلبوسٍ طائفي أو مذهبي.

إلاّ أنه وبحكم حركة التاريخ غير القابلة للتوقف، سيأتي اليوم الذي نتمكّن فيه، مثلما تمكَّنت به بعض دول العالم الأول، من الخروج من بوتقة الفكر الديني واعتماد المدنية والأفكار العلمانية ناظماً أساسياً لتنظيم الحياة المجتمعية، وبالتالي الانتقال إلى نظام حكم مدني يتحقق فيه فصل الدين عن الدولة بكل مقوِّماتها...

 

تمت قراءته 89 مرات