العدد:780
تاريخ: 16/ 8/ 2017
 

التجاهل.. عنفٌ صامت

قييم هذا الموضوع
(2 أصوات)

 التجاهل اشتقاق من الجهل.. وقديماً قال عمرو بن كلثوم في سياق مقارب للموضوع، وهو يخاطب عمرو بن هند، الذي أهان أمه:

ألا لا يجهلَنْ أحدٌ علينا          فنجهلَ فوق جهل الجاهلينَ...

وقد أُطلق على العهود السابقة لانتشار الدين الإسلامي (الجاهلية) نسبة إلى الجهل بالدين الجديد، لكن المؤرخين الإسلاميين والفقهاء بالغوا في تسويد صفحات ذلك التاريخ وحمّلوا كلمة الجاهلية أكثر مما تحتمل، مع أن تلك العهود شهدت فترات ذهبية في مجالات الشعر والأدب والحياة الاجتماعية والاقتصادية، لكن أنصار الدين الجديد أطلقوا التسمية لإظهار حسنات الدين الجديد مع إغفال كل بقعة ضوء فيما سبقه من عهود، مثل التركيز على موضوع وأد الإناث الذي لم يكن سائداً بالعموم كما يتبيّن لأي عاقل، وإلاّ لما استمر تناسل الجنس البشري في تلك المنطقة، وهناك كتّاب ومؤرخون حاولوا إعطاء تلك الحقبة التاريخية حقّها مثل الشهيد حسين مروة وجرجي زيدان وفيليب حتي وجواد علي وأدونيس وغيرهم.

ويقال عن نزوع الرجل إلى مراهقة متأخرة في أربعينيات العمر (جهل الأربعين)، ومنه جاء المثل الدارج (جهل الأربعين.. يا ربّ تعين!)، والحقيقة أن هذا (الجهل) موجود قبل الأربعين ومستمر بعدها إلى أن يصبح الرجل عاجزاً عن (جهله)، وينطبق الأمر على النساء أيضاً، لكن الصيت للرجال في هذا الأمر، بسبب الأعراف والعادات التي تمنع المرأة من الجهر بنزواتها وعلاقاتها كما الرجل.

أما التجاهل فهو إغفال الآخر وكأنه غير موجود، بغية إبقائه في الظل، وهدفه غالباً إبقاء الضوء احتكاراً للذات أو لما يشبهها أو يطابقها، كمثل الأنظمة الاستبدادية التي تتحكم بالإعلام والثقافة والماء والهواء حين تمنع أي وصول لرأي مخالف ولو بـ(سنتمترات) قليلة عن رؤيتها ومواقفها، فتقتله بالتجاهل والقهر، أو تدفعه إلى التطرف والعصيان، فتقع الحروب والفتن، ويفاجأ الناس بانفجار المجتمع مع أنهم لم يكونوا يسمعون بهذا الصراع الموجود تحت قشرة التزلّف والخوف، فيسارع الكثيرون إلى القول: لقد كنا سعداء ولم يكن ينقصنا شيء قبل هذه الفتنة.

وهم محقّون في قولهم، فالاستبداد لا يقترب منك إذا بقيت خانعاً صامتاً تكتفي بممارسة حياتك اليومية والوظائف البيولوجية القطيعية من طعام وشراب وتناسل وسكن....الخ.

لكنك حين تُطالب بحقك في أي ثروة يحتكرها المستبد وبطانته، حين تُطالب بحصتك كمواطن من ثروة البلد، حين تطالب بحقك في التعبير والاختلاف والوصول إلى الناس، سيكون مصيرك التجاهل بداية، وإن ابتدعت وسائلك الخاصة في التعبير والوصول إلى الناس وتوعيتهم بحقوقهم المهدورة، فستكون السجون والمنافي في انتظارك، وستفتح المقابر أبوابها إن انتشر (وباء) الفكر المختلف بين أعداد كبيرة من الناس...

على المستوى الفردي، ينشأ الفرد في المجتمعات المتخلفة المغلقة على النزعة الفردية الإلقائية، وبذلك يستنفر كل حواسه لإثبات امتلاكه للحقيقة المطلقة، ويُطلق يد الدكتاتور القابع داخله مهما تشدّق بشعارات الحرية واحترام الرأي الآخر، وحين يعجز عن إقناع الآخر بوجهة نظره ويعجز عن ممارسة العنف عليه لتغيير رأيه، يلجأ إلى التجاهل والمقاطعة، وهي طريقة مَرَضية لمعالجة الاختلاف والهروب من الحوار كوسيلة للوصول إلى الحقيقة الموزعة بين الناس.

هذه الحالات لا تعني أن هناك من يرغمك على تجاهله حين يُقحم نفسه في قضايا ومشاكل لا يفقه فيها شيئاً، وينطبق عليه قول الشافعي: (ما جادلت عالماً إلاّ غلبته، وما جادلت جاهلاً إلاّ غلبني). والحل هنا بالنسبة للمفكّر هو الانسحاب غير التكتيكي، أي تجاهل هذا الجاهل وتركه في طغيانه يعمه.

والحالة الأخيرة هي حالة إيجابية من حالات التجاهل، والأمثلة أكثر من أن تحصى في الاستقطاب الحاد الحاصل خلال سنوات الحرب السورية العبثية.

تمت قراءته 47 مرات