العدد:769
تاريخ: 17/ أيار/ 2017
 

لم تعد شقائق النعمان تكفي

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

كنّا صغاراً نذهب مع أهلنا في إحدى رحلاتهم، في البدء... كنّا نراها رحلةً ترفيهيةً، وبدأ وعينا الصغير مرةً تلو الأخرى يُدرك أن ما كنّا نذهب إليه لم يكن رحلةً عاديةً، بل كان أحد النشاطات الهادفة، والتي كثيراً ما كان يقوم بها أهلنا والرفاق في الثلاثين من آذار من كل عام احتفالاً بعيد الأرض، وبدأنا نفهم سبب هذا التاريخ وأهميته ودلالته، وتحديداً فيما يخص قضية الصراع العربي الإسرائيلي.

اليوم، وبعد انقضاء ست سنوات على احتراق الأرض السورية كل لحظة، يتملّكنا الشعور الذي كنّا نحسبه خاصاً بغيرنا، وكم هو مريرٌ هذا الشعور، وحارقٌ للقلب، فهذه الأرض التي اعتادت أن تمنحنا الحياة على مرّ التاريخ باتت ميتةً جرداء، وفيما كانت سابقاً مستعدةٌ للقائنا بأي وقتٍ وبرحابة صدرٍ، أمست الآن بعيدة المطال، وأضحينا غرباء في أرضنا...

هذا التراب الذي لطالما جبلناه بخيالاتنا الصغيرة وبنينا فيه آمالاً وأحلاماً وئِدَتْ صار مجبولاً بدماء شبابنا ورجالنا ونسائنا ودموع أمهاتنا وتوَهان أطفالنا، مُخبِّئاً بين حباته جثثاً عديدة لمفقودين ومقتولين وشهداء، لتُصبح إحدى أهم العناصر الأساسية في تركيبته...

تلك الينابيع التي روت عطش أرواحنا قبل أجسادنا دهوراً باتت مياهها مصدر الموت المُحتم، لاختلاطها بالكثير من المواد السامة والخطيرة على الصحة... وذاك الهواء العليل المُشبع بروائح الزهور والأشجار بمختلف أشكالها وألوانها في كل الفصول، أمسى مُثقلاً بروائح الدم المقيتة والقتل اليومي المستمر والمتواصل...

فيما كانت أرض بلادي موئلنا حين تعصف بنا رياح التبعثر والتشتت، تمنحنا الأمان والإحساس بأننا نقف بثباتٍ على أرضٍ صلبةٍ غير خائفين ولا هيّابين، يُمسي اليوم القلق من المجهول الذي ربما يكون عبوةً ناسفةً أو لغماً مخفياً بين طياتها رفيق لحظاتنا اليومية... صار الرعب من أيّ شيء موجود في الشارع كبيراً لئلا يكون مفخخاً فيحصد المزيد من الأرواح البريئة....

ربيع بلادي الذي لطالما تغنينا به وحسدنا عليه كل من وطأ أرضنا.. ذهب مع الريح السوداء، وصارت تحل محلّه ريح الحقد والقتل والكراهية والدمار، فلم يعد الربيع ربيعاً ولا الشمس شمساً، حتى الطيور لم تعد من ترحالها الطويل، بل غيّرت مسارها لتمنح سماءً أخرى جمالها وروعتها وحميميتها التي سرقتها من سمائنا آلة الحرب الخبيثة....

يعود الثلاثين من آذار هذا العام ليزورنا ضيفاً ثقيلاً على أرواحنا، فقد كان الأمل بأن يكون هذا العام مغايراً لسابقه، إلاّ أن الأمل في واد والواقع المتشح بالسواد في وادٍ آخر، فهل يزورنا في العام القادم مُحمّلاً بورود الحلم المحقق وعطر الحياة المتجددة دون موتٍ وقصفٍ ودمار؟؟ هل تزهر شقائق النعمان من جديدٍ معلنةً عودة الربيع البهي مرةً أخرى في بلادي، فتذكّرنا بما نعيشه حتى اليوم ليُضحي ذكرى لن تتكرر وماضياً مندثراً؟؟؟

اليوم... في عيد الأرض، نصرخ جميعنا كما تصرخ أرضنا الغالية: كفى!!! فقد ارتويت حتى الثمالة بدماء أبنائي وأحلامهم وأجسادهم، وقد فاق اللون الأحمر قدرة شقائق النعمان على شربه والتلون به!!

تمت قراءته 22 مرات