العدد:786
تاريخ:11/ 10/ 2017
 

أجمل الأمهات..هي السورية المتشبثة بالأمل

قييم هذا الموضوع
(2 أصوات)

أجمل الأمهات تلك التي جمعت أولادها وحملت بقجة مما تيسر من ضروريات الهرب، حملت أصغرهم وأمسكت بيد التالي قاصدة بقعة بعيدة ما أمكن عن الموت الذي يترصدهم في الطرقات، بقعة لا يقف فيها القنّاص بالمرصاد لكل حلم هارب من فوهة حقده، تعبر فوقها الطائرات دون أن تفرغ حمولتها، بقعة آمنة من القذائف العمياء ما أمكن.

أجمل الأمهات تلك التي لم تنتظر ابنها الشاب ليُساق إلى حروب العبث ويعود قتيلاً بأيدي أبناء بلده، باعت ما تبقى من مصاغ وأثاث وبيت، وهرّبته إلى المنافي الباردة في طرق محفوفة بالغرق والضياع، لتشتاق إليه ويشتاق إليها وتبقى على أمل أن يعود ما إن تضع الحرب أوزارها، أو تذهب إليه إن طالت الحرب ولم تقضم عمرها التعب.

أجملهن من أرخت جديلتها على الحلم ومشت تنحت من الصخر والجمر لقمة للصغار.. من صاغت من ألمها ووجعها وذلها اليومي حكاية، نشيداً للحياة، ينام على وقعه الصغار على فرشات الإسفنج التي تصدّقت بها الأمم المتحدة علينا، الأمم التي تستمتع بمشهد شعب يُباد، وبلاد تتمزق وتعود القهقرى إلى كهوف التاريخ...

هي أمي التي ودعت رفيق عمرها في العام الأول من نزوحها من بيتها الصغير في حي بائس كانت فرحة به ومطمئنة، إلى أن جاءت العاصفة الهوجاء واقتلعت العائلة من عشها... ثم بدأت تقاوم بعد أحبابها الذين توزعتهم المنافي وتحنو على من تبقى ناسية كل أوجاعها حين تضم أحدهم أو تُمسّد على تعبه.

هي أم الشاب الذي دخل الحرب مرغماً تاركاً كل مخططاته المشبوهة في حياة هادئة وحبيبة تردد له أشعاره الوارفة وهي تضع رأسها على صدره، تتفقده في صحوها ونومها، لتطمئن أنه لم يزل حياً، فقط لم يزل حياً... وليذهب كل ما خطط له إلى زمن آخر قادم، قادم رغم أنف الغيلان التي تنهشنا وتنهش البلاد...

أجمل الأمهات هنّ الأمهات اللاتي يصنعن خبز اليوم من طحين الإعانة في الحصار والقصف والجوع والعطش، على حطب يضمحل كما الشجر في هذه البقعة الموبوءة بالحقد والحرب...أجمل الأمهات أنتِ، تصنعين الحياة من جديد، تحبلين وتلدين، تعلّمين طفلتك أغاني الفرح والحب، وتحاولين ما أمكن إبعادها عن مشاهد الحرب وأصواتها.

أجملهن كلهن أم الشهيد الذي لم يعد، حتى جثمانه نهشته الكلاب المسعورة على لحم السوريين، الشهيد الذي عاد اسماً وصورة مرصّعة بالشعارات الباهتة والكلام المُنمّق، لا قبر له لتزوره وتضع عليه الورود والرياحين وتقرأ له آية الكرسي، الكرسي الذي من دم ونار وخراب...

لم تخبئ دمعها، لم تكتم صرختها، صاحت حتى يسمعها الله في عليائه، وعاشت من أجل أن لا يكمل الموت دورته السوداء.

أجمل الأمهات هي الأم السورية التي تبقى متشبثة بالأمل، بالحياة، حتى أغنية قادمة، حتى وردة تنبت في صخر البلادة واليباس...

تمت قراءته 85 مرات