العدد:780
تاريخ: 16/ 8/ 2017
 

حضرنا ولم نجدكـم!

قييم هذا الموضوع
(1 تصويت)

 (كيف لك أن تكون بخير في عالم مريض؟! - رسول حمزاتوف)

إلى تلك التي

تلمُّ براعمَ وجهها

كلَّ صباح

وتنثرها على النهار

فيبدأ...

هي ليست أماً أو أختاً أو حبيبة أو زوجة فحسب، إنها النصف الأول للحياة إن صح المعنى أنَّ هناك نصفاً أول ونصفاً ثانياً، وإلاّ فلماذا أعطت أسطورة الخلق المبادرة لها في التسبب بالنزول إلى الأرض، ثم نشوء الجنس البشري عبر الخطيئة الأولى والأجمل. كل صباح لها، كل يوم هو ارتباك المؤمن أمام باب معبدها، لكن ها نحن نحدد لها يوماً في السنة، الثامن من آذار.

ربما كان ضرورياً أن يخصص الناس والمنظمات والأحزاب والأمم المتحدة يوماً للمرأة ليكون مناسبة لمراجعة ما اقترفنا وما زلنا نقترف بحقها من آثام معلنة أو مضمرة، وما تقترفه المرأة نفسها بحق نفسها، من باب أنّ المستعبَد يتآلف مع استعباده، يدافع عنه باستماتة، يزينه و(يزركشه) كما لو أنه مسكنه الأبدي. ورغم كل ما يطفو على سطح الواقع اليومي من مشاهد تظهر خروج المرأة من قوقعة الظلم التاريخي العريق والعميق، سواء عبر خروجها للعمل والحياة أسوة بالرجل، أو عبر تحرر بعضهن من قيود الحجاب وتعدد الزوجات والحرمان من الإرث وقوانين الأحوال الشخصية الظالمة لها، إلاّ أن المشهد الحقيقي لواقع المرأة الشرقية والسورية تحديداً ما زال يغلب عليه السواد.

أن تلبس امرأة ما تشاء وتتزين كما تشاء وتخرج إلى عملها أو إلى مكانٍ للسهر، أو إلى نادٍ رياضي أو فني ليس كافياً لنقول إنها قد حققت المساواة مع الرجل المغبون هو الآخر بألف قيد وقيد، مع الإشارة إلى أهمية ما سلف.

التحرر الحقيقي للمرأة يبدأ من الداخل، من داخلها هي، أن تتحرر من رؤية روحها وجسدها بضاعة مسخّرة للرجل، أن تكون شريكة حقيقية له- فاعلة لا منفعلة- في البيت والتربية والعمل والمتعة والمشاركة المجتمعية والسياسية.

من أين سيبدأ هذا التغيير؟

أدّعي أنه تغيير اجتماعي في الجوهر، تغيير للبنى الفكرية التي تستلزم تغييراً للبنى التحتية من علاقات استغلال وتشييء وتبعية، إلى فضاء من الحرية المجتمعية والسياسية لم نتلمّس طريقنا إليه بعد.

بل حين بدأ السوريون بتلمّس طريقهم إلى تلك الحرية، كمدخل إلى بناء سورية متحررة وديمقراطية وعلمانية لكل السوريين والسوريات قبلاً، هبّت كل وحوش الداخل والخارج في وجوههم، وصارت البلاد رماداً، وعادت الأمور القهقرى في المجالات كلها بما فيه وضع المرأة.

ماذا فعلت السنوات العجاف بعد الخامس عشر من آذار 2011 بالمرأة السورية؟

في البدايات المتوهجة بحلم التغيير والتحرر، كانت المرأة حاضرة بقوة، بل ربما أكثر حضوراً من الرجل عبر التظاهر والاجتماع والنشاط السياسي والثقافي والأهلي، ولوحظ حتى في الأوساط المحافظة نهوض كبير في مشاركة المرأة.

لكن ما إن تحولت، أو حُوِّلَت الأمور إلى هذه الحرب القذرة العمياء حتى بدأت تتضح ملامح الوضع الجديد للمرأة كما يريده حملة السلاح وأصحاب اللحى المظلمة والجلابيب القصيرة، إنها (حريمة) كما تقدمها مسلسلات البيئة الشامية، ينحصر منتهى دورها وفاعليتها في أن تزغرد من خلف حجابٍ لانتصارات الرجال، وأي انتصارات؟؟ إضافة طبعاً إلى كونها دمية السرير كمهمة تاريخية لا تؤجل.

وضع المرأة في مناطق سيطرة المعارضة المسلحة أصبح من الطرائف التي تُروى، وليس الأمر مقتصراً على مناطق داعش والنصرة فحسب، بل في الغالبية العظمى من مناطق سيطرة المسلحين على اختلاف مسميات الفصائل والفيالق والألوية، ليس للمرأة هناك إلاّ بيتها وأولادها وولي أمرها السلطان، ولا حاجة إلى تعليمها أو مشاركتها في أي نشاط اجتماعي أو سياسي أو أهلي.

أما وضعها في مناطق سيطرة الدولة، فهو من الطبيعي أن يكون أفضل وأوسع مجالاً للظهور والنشاط والمطالبة بتحسين موقعها في سورية المقبلة، لكن معاناة النساء هنا تتركز في نتائج الحرب والحصار والفقر والفاقة والأزمات الكثيرة والمتناسلة خاصة في ظلّ فقدان الرجل، الظل، المعيل.

إن المنظمات النسائية والأهلية التي تتكاثر كالفطر هذه الأيام، ولا أدري إن كان هذا حراكاً حقيقياً مجتمعياً أم أمر عمليات مرسوماً (من فوق) كما تعودنا، إن هذه الهيئات مطالبة بالتوجه أكثر وأعمق نحو واقع المرأة المُهجّرَة والمسؤولة عن إيواء أطفالها وإطعامهم وتعليمهم، بعد غياب الزوج والأب والأخ بسبب الحرب أو الهجرة أو الاعتقال أو الخطف، بتأمين الحد الأدنى من شروط الحياة البشرية لها ولأطفالها من سكن وغذاء وصحة وتعليم ولباس.. الخ، لعلّها تستطيع بذلك حمايتها من الذئاب البشرية التي زادت عدداً وضراوة هذه الأيام.

إن أنسب كلام يمكن أن يُقال للمعنيين بملف المرأة في سنوات الحرب، على المستوى الرسمي والنقابي والحزبي، هو عبارة: حضرنا ولم نجدكم سوى في الثامن من آذار لتلقوا كلمتكم في الاحتفال الجماهيري جداً وتنصرفوا.

 

تمت قراءته 50 مرات