العدد:791
تاريخ:15/ 11/ 2017
 

لا نصيرَ مؤسساتياً حقيقياً للشباب السوري المُهَمَّش

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

 الأقليات والمُستَضعَفون والمُهَمَّشون لطالما شكّل هؤلاء مادة دسمة لشعارات الأحزاب حول العالم. وبما أن الشباب السوري هم من فئات المُهَمَّشين في مجتمعنا الذي لا أسميه مجتمعاً (ذكورياً) كما يقول البعض- بل أسميه مجتمعاً (كهولياً) رغم كثرة الشباب فيه، فهم مادة دسمة لشعارات المؤسسات الاجتماعية خاصة في هذه المرحلة..

فإن نحن أردنا أن نبحث عن أسباب عجز الشباب عن الحصول على مساحتهم المُستَحَقَّة، وجب أن ننظر إلى المؤسسات والمؤسسات الحزبية، وإذا أردنا الحديث عن الأحزاب السورية بالاسم فبعضها يتمتع بالمقدرة على استقطاب الشباب بشكل دائم، بينما أحزابٌ أخرى تنجح في ذلك مرحلياً.

وإن استثنينا حزب البعث، لأن المقارنة بينه وبين أي حزب سوري آخر ستكون غير منصفة - لأسباب مؤسفٌ وجودها في مثل هذا العصر نعلمها جميعاً- لعل الحزب القومي السوري الاجتماعي هو أكثر حزب سوري نجح في استقطاب الشباب طوال مسيرته، وربما ذلك يعود إلى بُنيته الأيديولوجية التي يُعتبر فيها أنطون سعادة هو المُخلّص، وبالتالي ينتهج ما يمكن وصفه بالنهج التبشيري بأفكار ذلك المُخلّص.. بينما نجد أحزاباً أخرى عريقة في سورية كالحزب الشيوعي السوري لم تعد كما كانت في الماضي من حيث نسبة الشباب في كوادرها.

وبالعودة إلى حزب البعث واتحاد شبيبة الثورة، فمن الملاحظ سعي الحزب ومقدرته على استقطاب السوريين في بداية شبابهم، وذلك لعدة أسباب منها كونه الحزب الوحيد المخوّل في أي لحظة ودون أي تصريح الدخول إلى المدارس والثانويات والتواصل مع الطلاب، ولعلّ ما يجذب الشباب الصغار بداية هو موضوع الاختلاط بين الجنسين الذي يتيحه اتحاد شبيبة الثورة وما شابهه من تنظيمات، وإذا تمتَّعت قيادات تلك الأحزاب بالحكمة الكافية والموضوعية فهي تستطيع تعزيز الأبعاد الإنسانية في شخصية المراهق وجعله يحب بإخلاص العمل التطوّعي، وبالتالي جعله طاقة فاعلة في خدمة المجتمع، ومواطناً يتمتّع بحسّ وطني عالٍ ونقيّ.

لكن مع تدهور الوضع الاقتصادي وضبابية المستقبل، ينزع الناس عموماً إلى الاهتمام بتأمين الحاجات الأولية للحياة، فقبل أن أُعَلّم ابني أفكاراً حول مفاهيم وطنية وحزبية علي أن أشتري له معطفاً ومواد تدفئة يمنعانه من أن يرتجف أمامي، وكذلك ينبغي أن لا يكون جائعاً أو في حاجة إلى دواء. وقبل أن يُنشئ الشّاب نشاطاً أو يقيم فعّالية في حزب ما، هو يفكّر بنشاطه الإنساني الطبيعي من حيث إقامة سكن صالح ليكون عشاً للزوجية على سبيل المثال.

وفي ظلّ عجز الكثير من الأحزاب السورية عن تشكيل حاضنة حقيقية للشباب، وبالتالي عجزها عن كسب ثقتهم، لأننا ببساطة نعيش صراع أجيال، ولأن الأجيال السابقة لهؤلاء الشباب توارثت إن صحّ التعبير سلوكيات وتصورات مؤداها الاستخفاف بالجيل التالي والسعي للهيمنة عليه.. وعندما يهيمن على العديد من الأحزاب أناسٌ من جيلٍ واحد ويغيب عن قيادتها ولجانها عنصر الشباب فتلك الأحزاب ربما تفقد تمثيلها للمجتمع وتفقد النزر اليسير من النبض التقدمي الذي يجب أن تتمتع به.

ومعظم الأحزاب السورية تتحدث(عن الشباب) وليس(مع الشباب)، ولعلّ الأمر أسوأ في النقابات، ففي معظم النشاطات المؤسساتية النقابية جلّ ما تلتقطه عدسة الكاميرا، رؤوس نهش الشيب سوادها ووجوهٌ تزدحم التجاعيد فيها، ولا تُشكّل فعّاليات المؤسسات ذات الطابع الثقافي استثناءً، ففي فعّاليات اتحاد الكتاب العرب على سبيل المثال نجد الأمر ذاته.

وما سبق ذكره يوحي أن هناك جيلاً يحتفي بنفسه ويحاور نفسه ويدير المؤسسات بنفسه، ثم يستنكر هذا جنوح جيل الشباب إلى الهجرة أو إلى ما لا ينبغي وما لا يليق، ولا يمتنع هذا الجيل الإقصائي عن السخرية من جيل الشباب وتلقيبه بجيل(الهشّك بشّك) وما شابه، رغم أنه كان المربي لجيل الشباب بنفسه.

وينتابني إحساسٌ في بعض الأحيان أن معظم الكهول في سورية هم أكثر الكهول حول العالم الكارهين لقانون التقاعد. ولعل ما يمنع مجتمعاً ما من أخذ دوره الريادي الحضاري هو كثرة الرجعيين فيه والذين يكونون من فئة الكهول عادة، ومقدرتهم على الوصول إلى إدارات المؤسسات الهامة والبقاء فيها. ولعل أسَّ المشكلة أن العديد من الأحزاب في الدول النامية تنظر إلى الشباب كطاقة يجب تسخيرها لخدمتها، وليس كطاقة واعية مُريدة يجب أن تكون جزءاً من مفاصل تلك الأحزاب، وتساعد على تطور بنيتها الفكرية وآلياتها التطبيقية.

تمت قراءته 66 مرات