العدد:795
تاريخ:13/ 12/ 2017
 

الاستلاب... تغييب للوعي والإدراك

قييم هذا الموضوع
(6 أصوات)

 الاستلاب عملية نفسية، الهدف منها تحويل وعي الإنسان والمجتمع إلى نقيض ما يجب أن يقدمه هذا الوعي لخدمة الإنسانية.

من الواضح أن الصورة الثقافية المثالية لمجتمعنا اليوم بعيدة كل البعد عن الواقع بكل ما يعتمل فيه من تناقضات وأزمات اجتماعية تكاد تذهب بالبنية الأخلاقية للفرد والمجتمع على حدٍّ سواء. نحن في الواقع بدأنا نتلمّس طريق التطور باتجاهاته المتعددة. دون إغفال أن إحساسنا بالعظمة والقوة مستمد من التطورات والاكتشافات العلمية التي تحققت في العالم، والتي للأسف لم تُساهم أبداً في تحسين طبيعة الإنسان الداخلية والروحية في وقتنا الراهن، بل على العكس قد تكون هذه الاكتشافات في أجزاء منها سبباً فيما يعاني منه إنسان اليوم.

والشعور المخادع بالعظمة والقوة الذي يولّده العلم والتكنولوجيا، يشلُّ قدرة الإنسان على النقد الذاتي ويطمسها، وبالتالي يمنعه من إدراك التناقض الهائل بين الشكل المقبول للجنس البشري المتحضّر، والواقع المؤلم لعالم تسوده الحروب والصراعات، يتناثر فيه الموت جوعاً وحرباً وصراعاً، وأيضاً ممارسة الجريمة والعنف والإرهاب الذي يُرخي بظلاله على الكون الإنساني في كل مكان. هذه هي سمة العصر الراهن في كثير من أرجاء المعمورة.

إن استلاب الإنسان تجاه القيم والمفاهيم العصرية الحديثة، قد جرّده من الإرادة وبُعد النظر الضروريين للتصرف بوعي، أصبح السلوك الميكانيكي المُقولب هو المعيار الذي يُفسد ملكات الإنسان العليا وقيمه الروحية والأخلاقية، ويمنعه من إدراك القيمة الحقيقية للإنسان وللأشياء، وفي الوقت ذاته يمنعه من إدراك مدى استلابه.

الاستلاب، حالة تخترق فيها وعي الإنسان معلوماتٌ غريبة ودخيلة، فيُمارس سلوكيات غير معتادة تستحوذ على تفكيره وتعامله، فتجرّده من إمكانية التخلّص من تأثيراتها الشديدة. والخطورة في هذا الاستلاب تكمن في أنه لا يمكن ملاحظة ذلك الاستحواذ لأول وهلة في حياة الإنسان العادية واليومية، لأن طبيعة تكيّفه تدفعه للمشاركة بصورة إلزامية في نشاطات يعتبرها عادية وسوية، كالاستهلاكية التي تفرضها برامج الدعاية والإعلان للموضات والصرعات والمتغيرات المتلاحقة بشكل سريع جداً في سوق الاستهلاك. كما يكمن الخطر والضرر الحقيقي الذي يلحق بالسلامة الصحية والعقلية والنفسية عند الناس نتيجة للإشباع الذي تمارسه وسائل الإعلام والدعاية تلك، وإفراطها في أشكال الاتصال وتوجيه الناس في كل أنحاء العالم إلى أنماط استهلاكية متشابهة، حيث يفقد هؤلاء المستهلكون رؤيتهم للمكانة الحقيقية التي يستحقها الكائن الإنساني عندما يستجيبون دون إدراك لوسائل الاتصال المبتذلة أكثر مما يحاولون السيطرة عليها، ويركّزون بدلاً من ذلك على الممتلكات المادية وصورة المظهر الخارجي والاعتناء بالجسد على حساب الروح والعقل وإعمال الفكر.

وهذا الاتجاه في تقييم الناس من خلال ما يمتلكونه من إمكانيات مادية وسلطوية بدلاً من تقييمهم كما هم عليه في الحقيقة، يؤدي إلى اختلال بشع وفظ وسلبي للقيم والمفاهيم. فالأكثرية الساحقة من الناس باتت تقرن السعادة بالمنفعة والمصلحة الشخصية، وبمقدار ما يتمُّ الحصول عليه من جاه ونفوذ مادي أو معنوي.

إن عبادة المال والتسلّق الاجتماعي، والتجارة السياسية، وحب الترف، واستهلاك المخدرات، والعنف والإرهاب، والبحث عن السلطة والجنس كنتاج استهلاكي، هذه كلها أشكال مختلفة للاستلاب الذي يستحوذ على تفكير الناس، توجهها عوامل خارجية تسحق وتشلّ إرادتها وعقلانيتها وتشتت مبدأ التمييز العقلاني لديها. ولا يمكن لهذا الاستلاب المقصود والمفروض على الإنسان أن ينجح لولا القصور العقلي والنفسي والثقافي، الذي يؤثّر على المجتمع بقيمه وتفكيره ومسلكيته.

وإذا كنَا نريد أن نحقق مستوىً أعلى من السيطرة على عقولنا، علينا أن نتحرر من محنة الاستلاب هذه من خلال حرية الفكر والوعي وتعزيز الثقافة الذاتية غير المتماهية ولا الذائبة في ثقافة الآخر، وأيضاً من خلال احترام الذات وتقديرها، ورفض كل ما من شأنه أن يُحَقِرَ انتماءنا وأخلاقياتنا وثقافتنا وقيمنا.

تمت قراءته 475 مرات
إيمان أحمد ونوس

ناشطة بقضايا المرأة والطفولة