العدد:780
تاريخ: 16/ 8/ 2017
 

مستلبون... والله أعلم

قييم هذا الموضوع
(1 تصويت)

الاستلاب متعدد الجوانب، يفعل فعله لدى المجتمعات والأفراد كنتيجة طبيعية للتفاوت الطبقي بشكل أساسي، ثم يأتي التفاوت المعرفي والحضاري والثقافي والجسدي... الخ بدرجات متفاوتة.

في محاولة لتعريف الاستلاب أستطيع القول ببساطة ودون مصطلحات غائمة وحمّالة أوجه، بأنه فقدان الخصائص والصفات الذاتية والطبيعية أمام خصائص وصفات خارجية وافدة تحت تأثير تفاوت من أحد الأنواع التي ذكرناها للتفاوت، أي هزيمة الخاسر أمام المنتصر ليس عسكرياً أو جسدياً بل فكرياً وروحياً، إذ لا بدّ في كل صراع من وجود خاسر ورابح ولو نسبياً.

لكن ما يُقال عن مخططات ومؤامرات تخلق حالة الاستلاب أمر بحاجة إلى إعادة نظر كما أدعي، فليس كل استلاب هو ناتج غسيل أدمغة، بل هو ناتج حالة موجودة، احتلال ملموس أو افتراضي، تفوّق ما، يؤدي بالمستلَب (بفتح اللام) إلى أن يُشرّع أبوابه طوعاً أمام منتج فكري أو سلعي أو قيمي أكثر راحة له أو متعة أو فائدة أو كلها سوية.

نعم، هناك جهات ومراكز أبحاث ووسائل إعلام وشركات إنتاج فني ودور نشر تملك أهدافاً وغايات تسعى لنشرها وتحقيقها والتوسّع فيها بكل الاتجاهات، وهي من مُنتجي حالة الاستلاب، لكن ليس كل استلاب هو ناتج حالة مؤامرة وتخطيط.

فاستلاب المشاهد في بلادنا أمام المسلسلات المكسيكية سابقاً والتركية حالياً هي حالة ناتجة عن فراغ لم تستطع الدراما السورية والعربية أن تملأه، إضافة إلى حالة خواء ثقافي وفكري ناتجة عن الجهل وانتشار الأمية الثقافية والأبجدية، وهي بالنسبة إلى مُنتجيها أقرب إلى حالة البحث عن إنتاجات رائجة ورابحة بضخ (أكشن) رخيص مع بعض التوابل الجنسية والمادية التي تُدغدغ أحلام الناس والشباب خصوصاً، ولو كانت الأعمال التي لها عمق ثقافي معرفي تجد رواجاً لما توانت هذه الجهات من إنتاجها، لكنهم لا قضية فكرية ثقافية لهم- كما أفترض- وقضيتهم الوحيدة مادية ربحية، في حين أن من ينتج فناً أو ثقافة هدفها الارتقاء بمستوى الوعي الاجتماعي والفردي، يُقدّم أعمالاً خاسرة مادياً لكنها رابحة حتماً على مستوى بناء الإنسان.

ما يمكن أن نسميه مقاومة الاستلاب ليس بعقد الندوات والمؤتمرات على أهميتها، بل الشروع في عمل حقيقي وجدي على الأرض في جميع المناحي، تحاول تكريس ثقافة تُقدّس الإنسان وتحاول تلبية حاجاته المادية والروحية، وليس تلقينه وممارسة دور الأستذة عليه، كما فعل الإعلام الموّجه وما زال يفعل.

المستلَب، فرداً كان أم مجموعة بشرية، هو ضحية لحالة موجودة على الأرض، ضحية تدافع عن (جلادها)، وهذه الحالة تبرز أكثر ما تبرز في حالة المجتمعات التي خضعت لسلطات استبدادية لفترات طويلة، فتجد أبناء المجتمع يلبسون الحالة ويدافعون عن الاستبداد بكل عنف كما لو أنهم يدافعون عن بيوتهم وعائلاتهم وأوطانهم.

لذلك لا يمكن إخراج المستلب من حالته إلاّ بكسر الحالة التي خلقته، بإيجاد حالة جديدة بديلة عن الأولى تملك إغراءاتها ومحاسنها البادية تجعله يمارس فعلاً واعياً، وليس استلاباً مُضاداً، نحو الخروج من حالته واختيار الوضع الذي يناسبه بمطلق الحرية، الأمر الذي يعني عدم وضعه أمام خيارين اثنين أو خيارات محددة، لأن ذلك يعني استلاباً جديداً، كأن نُخيّر الناس والمجتمعات بين يمين يدافع عن الثروة والرأسمالية ويعتبرها نهاية التاريخ، ويسار يعتبر أن تحطيم هذه الطبقة هو بوابة الدخول إلى فردوس الاشتراكية، وإنما أن تكون لدى المجتمعات والأفراد خيارات لا تنتهي، يثبت أفضليته بينها الخيارُ الذي يحوز على اختيار بشر أحرار متساوين.

تمت قراءته 257 مرات