العدد:756
تاريخ 18/ نيسان/ 2017
 

بوعينا لذاتنا... لن نُسلَب الحياة

قييم هذا الموضوع
(1 تصويت)

يُعَرّف غسيل الأدمغة على أنه تحويل الفرد عن اتجاهاته وقيمه وأنماطه السلوكية وقناعاته وتبنيه قيم أخرى تعرضها عليه الآخرُ الذي يكون إمّا فرداً أو مؤسسة أو دولة، وهذا يتوافق كلياً مع رأي جاك إلول الذي عَرَّفَ الاستلاب على أنه انسلاخ الشخص عن نفسه ليُصبح خاضعاً لشخصٍ آخر، ومن ثم مُتَمَثَلاً به، مما يدفعه للعيش في حالة نفسية يُنْكِر من خلالها نفسه وثقافته أمام شخص المُسْتَلِب وثقافته.

يتسم الاستلاب بعدة سمات أهمها:

_ صوابية ما يتم تلقيه من الآخر بالمطلق دون إعمال العقل.

_ الشعور بالدونية والضحالة أمام هذا الآخر.

أمّا عن العوامل التي تؤدي إلى الاستلاب فهي عديدة، منها على سبيل المثال لا الحصر:

_ الغزو الثقافي.

_ المناخ السياسي والاجتماعي المعيش، وكبت الحريات.

_ الإحباطات اليومية المتكررة والتي من شأنها أن تقلل من قيمة أي إنجاز يمكن أن يتحقق.

وعلى ذلك فإن الاستلاب متعدد الاشكال والأنواع، منها:

_ الاستلاب الفكري والثقافي.

_ الاستلاب السياسي.

_ الاستلاب اللغوي.

_ الاستلاب العقائدي: ويعني به مصطفى حجازي في كتابه (سيكولوجيا الإنسان المقهور)، أن توقن المرأة مثلاً أنها كائن قاصر، جاهل، ثرثار، عاطفي، لا يستطيع مجابهة أية وضعية بشيء من الجدية والمسؤولية، وبالتالي لا تستطيع الاستقلال وبناء كيان ذاتي لها.

وهذا ناجم عن عملية غسيل دماغ للمرأة يمارسها المجتمع بصفة عامة عليها منذ الصغر، ابتداءً من الأسرة، مع أنه يجري دفعها في كثير من الأحيان لإتمام دراستها ونيل الشهادات العليا والتميّز بين أقرانها، من منطلق أن لها حقاً على القيّمين عليها، إنما في الواقع الحي يتم التعامل معها على أنها مهما علا شأنها وارتقى، ما هي في نهاية المطاف إلاّ ربّة منزل وزوجة صالحة وأم رؤوم لأبنائها، وبالتالي فإن كل ما تمّ تحصيله لا مكان له سوى جدران المنزل في أبعد درجات الاهتمام، إن لم تكن أدراج الظلمة والكبت. فقد تناهى إلى مسامعها على مرّ الأيام أنها غير قادرة على فعل أي شيء مهما كان بسيطاً من دون الرجل، فتكوّنت لديها نظرة دونية عن ذاتها، بأنها حقيقةً هي ضلع قاصر، كما درجت التسمية، وشيئاً فشيئاً تلبستها الفكرة بشكلٍ كامل مما جعلها تقتنع بعجزها عن القيام بأي رد فعل تجاه أي موقف مُفاجئ قد تتعرض له، مُتغافلةً، لا بل مُقزِّمةً في تلك الآونة لكل ما تمتلكه من قدرات وطاقات، لو أتيح لها المجال لبرزت وطفت على السطح، وبشكل فعّال وحكيم ومنطقي، وهذا ما بدا جلياً، وتحديداً في السنوات الأخيرة، في ظلّ الحرب الدائرة التي غاب بسببها الرجل من حياة المرأة وعلى مختلف الصعد، ووجدت نفسها فجأةً أمام أمر واقع مؤلم، فإمّا الانكفاء والعيش ضمن القوقعة التي حددها المجتمع لها مُسبقاً، ليكون الثمن باهظاً جداً أقلّه ضنك العيش وقسوة الأيام والإحساس بالوحدة والعجز عن فعل أي شيء، ومن ثم الضياع في مهب الريح العاتية تأخذها حيثما تشاء، أو مجابهة الموت بصوره المختلفة، والبقاء على قيد الحياة والنضال بشتى السبل، وبكل ما أوتيت من شراسةٍ، من أجل استمرارية حياة أبنائها وعائلتها، فهي المسؤولة عنهم جميعاً.

إذاً.. ليس كل ما يأتينا من الآخر هو الصواب المُطلق، فلا مُطلق في الحياة، وإن أعملنا عقلنا وامتلكنا الثقة بأنفسنا وبقدراتنا وطاقاتنا لتفجّرت ينابيع متدفقة لا حدود لها، وصرنا نرى الآخر كما نرى أنفسنا، وعلى هذا لن يتمكن الآخر من تحويلنا إلى أشياء هو القادر على تحريكها كيفما أراد، وليس كل ما أقنعنا به المجتمع على مرّ الزمان هو الصحيح دوماً، بل من المهم والضروري لنا كنساء يتحمّلن وبكل جدارة كل المسؤوليات المنوطة بنا في ظل الظروف القاسية والمريرة التي نحياها اليوم وعلى كل المستويات، أن نمتلك الثقة بأنفسنا وبطاقاتنا التي ما إن هيِّئ لها ظرف لا مثيل له في الصعوبة حتى طفت وبانت، وأثبتت أننا جديرات بالحياة، وأن الأنثى في النتيجة إنسان، وليست مجرّد شيء تُحركه العادات والتقاليد التي توَضّحَ أنها بالية وصار من الضروري واللازم تغييرها واعتماد مفاهيم جديدة ترى في المرأة كل مقومات الحياة.

تمت قراءته 233 مرات