العدد:769
تاريخ: 17/ أيار/ 2017
 

ملائكة الرحمة يحتاجون إلى الرحمة

قييم هذا الموضوع
(15 أصوات)

تاريخ مهنة التمريض هو تاريخ الإنسان وآلامه وأوجاعه، فمنذ أن وجِدَ الطب واكتُشِفَت الأمراض، وجِدَ التمريض مهنة إنسانية باعتبارها ذات صلة وثيقة بآلام الآخرين وعذاباتهم، لذا تُعدُّ من المهن النبيلة والعظيمة التي تحتاج إلى اعتراف إنساني رسمي ومجتمعي بأهميتها، مثلما تحتاج إلى عطاء مادي ومعنوي يتناسب والجهود الكبيرة التي يُقدّمها المُمَرضون والممرضات في السلم والحرب على السواء.

عرّفت نشرة لجمعية الصحة الدولية التمريض على أنه علم وفن يهتم بالفرد ككل - جسماً وعقلاً وروحاً- ويعمل على تقدّم الفرد وحفظه روحياً وعقلياً وجسمانياً ومساعدته على الشفاء عندما يكون مريضاً، ويمتد الاهتمام بالفرد المريض إلى أسرته ومجتمعه، ويشتمل ذلك على العناية ببيئته وتقديم التثقيف الصحي عن طريق الإرشادات والقدوة الحسنة.

وقد يخفى على البعض طبيعة مهنة التمريض الخَطِرة بكل ما تحمله الخطورة من معانٍ، إذ يعتقد الكثيرون أنها مجرّد مهنة أقرب إلى مساعدة الطبيب منها إلى العناية بشكل مباشر وبالتعاون مع أفراد الطاقم الطبي بشكل كامل لتسير المنظومة الصحية بشكلها المناسب في تقديم الرعاية المثلى، غير أن الخطورة التي تكتنف هذه المهنة كبيرة، وذلك باختلاطهم مع المرضى المُصابين بشتى أنواع الأمراض السارية والمُعدية، أو تلك التي تحتاج إلى إجراءات طبية تعتمد الأشعة والمواد الكيماوية الضّارة رغم وجود إجراءات وقائية واحترازية، عدا الخطورة التي يُلاقيها العاملون والعاملات في هذا الحقل أثناء الحروب التي غالباً ما تستهدف غاراتها المشافي العادية والميدانية، فيواجه معظمهم خطر الموت في كل لحظة، ولنا في الحالة السورية أنموذجاً لا يُنسى.

لذا اقتضت هذه المهنة ممن يمارسها- وهم غالباً من النساء- التحلي بشخصية قوية متماسكة، والقدرة على ضبط الانفعالات، والحفاظ قدر الإمكان على الاتزان ورباطة الجأش، طبعاً بعد تحديد الأهداف التي تُساعد في حلّ مشاكل المرضى أو الجرحى والمُصابين وآلامهم.

بالمقابل، فإن أولئك المُمَرّضات لا شكّ أنهن يتأثرن أحياناً بظروف العمل السيئة التي تُشعرهن بالقلق والإحباط والتوتّر والتي تُفضي بهنّ إلى الإهمال أو المماطلة، وهذا يُسيء إلى شخصياتهن بقدر ما يُسيء إلى المهنة ذاتها، ما يجعل البعض ينظر إلى هذه المهنة نظرة دونية وسلبية. لذا تحتاج المُمَرّضات إلى الدعم المعنوي من قبل الإدارات والمجتمع على حدّ سواء، وهناك عوامل تؤدي إلى رفع معنويات المُمَرّضة وتؤثّر بالضرورة على عملها سلباً أو إيجاباً منها:

1- القناعة التامّة بأن مهنة التمريض ضرورة اجتماعية وإنسانية ودينية، فجميع تلك القناعات ينتج عنها ضمير حيّ في أداء المهمات بسبب اعتناق المبدأ الصحيح منذ البداية.

2- سلوك كل السبل لاكتساب المعرفة والمهارات الضرورية التي تعمل كأدوات مهمة لممارسة مُتميّزة تخلق الرضا لدى متلقي الرعاية التمريضية ونتائجها، ويصبح الشعور بطعم الإنجاز دافعاً للمُمَرّضة لأن تعمل بشكل أفضل. ذلك أن نجاح عملية الرعاية للمريض تؤدي إلى نتائج تُبهج كل من شارك في التعامل مع المريض أثناء رحلة علاجه.

3- الإحاطة بمتطلبات المريض المختلفة، فالمريض ليس جسداً وحسب وإنما هو مزيج من تداعيات المرض البدنية والنفسية والاجتماعية والروحية، وهذا يعني أن تكون المُمَرّضة مُلمّة بعلوم كثيرة تُميّزها وتجعل منها عاملة واسعة الأفق مُتعددة المعرفة فتتمكن من القيام بعملها بثقة تامة.

4- شحن الثقة بالنفس، لأن ما تقوم به المُمَرّضة هو محطّ الأنظار في عملية الرعاية، ومحور تدور حوله المهن الطبية الأخرى وتمسك بزمام النجاح لأي عمل طبي أو علاجي كبُر أم صغُر.

أما العوامل الخارجية التي تساعد المُمَرّضة على النجاح، فتشمل مُحفّزات بشرية وإدارية ومالية. فالعوامل البشرية تشمل المريض وأهله وأصدقاءه، وهم محور اهتمام الممرضة، وعندما تلتزم برسالتها تكون الثقة متبادلة، وهذا يؤدي بالتأكيد إلى خلق جو عمل مفعم بالتميّز يتفاعل فيه المريض ومن معه مع المُمَرّضة بإيجابية وتقدير متبادل.

ومن هنا لابد من الاهتمام بمهنة التمريض وتطويرها، ووجوب العناية بالعاملين بها والإسهام في تطويرهم من النواحي العلمية والعملية والسلوكية ليتمكنوا من تقديم أفضل الخدمات التمريضية للمرضى والمراجعين، وقد جاء في هذا السياق المرسوم التشريعي رقم 38 لعام 2012 الذي نظّم هذه المهنة وحدد حقوقها وواجباتها. 

تمت قراءته 541 مرات
إيمان أحمد ونوس

ناشطة بقضايا المرأة والطفولة