العدد:753
تاريخ 18/ كانون الثاني/ 2016
 

بشيءٍ من الحرية والثقة... لن يخذلونا

قييم هذا الموضوع
(1 تصويت)

تُعدُّ مرحلة الشباب من أروع وأهم مراحل العمر، لما لها من خصائص تُميّزها عن غيرها من سني العمر، فالإقدام الجامح والطموح الذي لا يعرف حدوداً، والرغبة بالاكتشاف المستمر والتجريب المتواصل، هي من أهم تلك الخصائص، ومن هنا يأتي تبني جيل الشباب للكثير من الأفكار التي يعتبرها المجتمع غريبة عليه ولم يعتدها، وهكذا كان الحال حين تبنى عدد كبير من الشباب في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي أفكاراً ومبادئ سياسية جديدة ربما كل الجدّة على الواقع الذي كانوا يعيشونه، وكانوا برغم كل ما اعترضهم تواقين للعمل على تغيير البُنى الفكرية آنذاك وتحويل النظري إلى واقع ملموس، وبالتالي النهوض بالمجتمع الذي حملوا لواء تطويره على عواتقهم.

وكان لهم ما أرادوا، فشكّلوا أو انخرطوا في الأحزاب السياسية التي تبنّت تلك الأفكار ونادت بها وحملتها شعارات برّاقة كان من شأنها إن تُرجمت إلى لغة واقعية أن تنهض بمستقبل المجتمع بكل شرائحه وأطيافه المتنوعة والمتعددة، وكان غالبية المنتسبين لتلك الأحزاب هم من الشباب الواعي والمُدرك لأهميته وقدراته، وفعلاً استطاعوا أن يحققوا بعضاً من أهدافهم، ومرّت الأيام والأعوام وكبرت تلك الأحزاب وازداد عدد ناشطيها وتوسعت رقعة امتدادها الجغرافية حتى وصلت إلى مناطق لم تكن في بداية نشاطها تحلم بالوصول إليها، وكبر معها شبابها وشابّاتها، وصاروا رجالاً ونساء ذوي خبرة وحكمة، إلاّ أنهم تغافلوا عن فكرة التجديد وبث دماء شابّة متجددة في عروق أحزابهم، وفضلوا أن يتمسكوا هم أنفسهم بالمناصب والأماكن التي وصلوا إليها، متناسين أنهم يوماً ما كانوا شباباً وكانت رؤاهم تمتلك بعضاً من الوعي والمنطق، وبدأ التضييق على الأجيال اللاّحقة من الشباب، من منطلق أن الأكبر سناً أكثر وعياً وتحليلاً ومنطقاً، وبالتالي بدأت مرحلة التراجع في العملية التنظيمية وبدأ عدد الناشطين/ات من جيل الشباب يتقلّص، فالجموح لا يلتقي مع القيود أبداً، ومما زاد في سوء الحال أن الرؤية ذات الاتجاه الواحد التي باتت محصورة بجيل الكبار ولم تعد تناسب الواقع والتغيير الذي طال المجتمع، إضافة إلى عوامل عديدة أخرى، منها غياب الحياة السياسية بشكل عام، والاتجاه نحو تكريس النمط الاستهلاكي وتهميش الفئات الواعية والنَّشِطة في المجتمع، والتضييق المتواصل على النشطاء من قبل الحكومات التي كانت ولا تزال تخاف من فكرة التغيير، واستشراء الفكر الديني الذي سلب العقول والألباب نتيجة عدم قدرة تلك الأحزاب على معالجة المشاكل سواء الاقتصادية أو الاجتماعية وغيرها، ومن ثم تقديم الحلول المنطقية والمقنعة لمن يحملون عقولاً مفكّرة، فبدأت فكرة القدرية تنتشر بدلاً من مبدأ السبب والنتيجة، وما زاد الوضع سوءاً، الحالة الاقتصادية المتردية التي باتت تتطلب من كل إنسان أن يلهث وراء لقمة عيشه خائفاً من هدر أيّة لحظة ممكن أن يستفيد منها في أمور لم يعد يرى بها جدوى أمام جوعه وأبنائه، فصار شغل الناس الشاغل السعي الحثيث وراء لقمة العيش..

لم يبتعد الشباب بإرادتهم عن النشاط السياسي أو العمل الجماعي بأي شكل كان، فما نراه اليوم من خلال بعض نشاطات هيئات المجتمع المدني هو أكبر دليل على أن الشباب لا يزالون يؤمنون بفكرة العمل الجماعي، ولا تزال لديهم أفكار خلاّقة وجديدة على كل المستويات، وليست مقتصرة فقط على الجانب السياسي، فشكل الأحزاب التقليدية القديم لم يعد يتناسب والحياة الحديثة، وما يعيشونه اليوم وتحديداً في ظل الأزمة الكارثية التي نحياها في بلادنا يثبت أنهم يمتلكون القدرات الرهيبة والإمكانيات الرائعة فيما لو تم منحهم حرية العمل والثقة بتلك القدرات، والسير معهم جنباً إلى جنب من قبل الكبار إن كان على مستوى الحكومات أو على مستوى التنظيمات السياسية للنهوض فعلاً بالمجتمع وتطويره، فالعلاقة لابدَّ أن تكون متبادلة، ذلك أن طموح الشباب يحتاج إلى حكمة الكبار أصحاب الخبرات المتنوعة، كما أن منطق الكبار وعقلانيتهم تحتاج أيضاً إلى جموح في الرؤية وتنوّع كي تتبرعم وتُزهر... فلنُعطِهم بعض الحرية، ولنمدَّ لهم أيدينا، لأنهم لن يخذلونا.

تمت قراءته 627 مرات