العدد:780
تاريخ: 16/ 8/ 2017
 

المرض النفسي لا يعني الجنون

قييم هذا الموضوع
(1 تصويت)

 غمرت الفرحة قلبه وقلوب ذويه حينما نال الشهادة الثانوية بمجموعٍ يؤهله لدخول الفرع الذي طالما حلم به: كلية الطب البشري، ومنذ اليوم باتوا ينادونه بالدكتور...يا للفخر! وكما عهده أهله وأصدقاؤه وجميع معارفه، حافظ على تفوقه وتخرج بمعدلٍ عالٍ فتح أمامه أبواب جميع الاختصاصات، إلا أنه أراد أن يكمل الحلم الذي رافقه منذ الصغر، بأن يكون طبيباً نفسياً، ذلك أنه مع مرور الزمن تكرست قناعته بأنه كما للجسد علينا حق، فلنفوسنا وأرواحنا أيضاً كل الحق بأن نسعى لأن تنال قسطاً من الراحة والاهتمام، كما أن قراءاته المتنوعة في هذا المجال، حتى قبل تخرجه، دعّمت رأيه وشكلت تصوراً مسبقاً لديه عن ماهية العمل وآلياته في هذا المجال، إلاّ أن أمراً ما لم يخطر بذهنه: اعتراض أبويه على الاختصاص، وهو الذي اعتاد منهما انفتاح الذهن والوعي المتميز، فكانت الصعقة الأولى، لولا أنه امتلك الكثير من الإصرار وحجج الإقناع، حتى تمكّن في النهاية من تحقيق ما أراده لنفسه...

تخرج وكان الأول بين زملائه، وبدأت رحلة العمل، ومعركة الحياة، يذهب يومياً إلى عيادته محمّلاً بأفكارٍ ومراجع عن الحالات التي يمكن أن يتعرض لها، ليكون قادراً على الإفادة وتقديم العلاج المطلوب...

في البداية لم يُعِرْ قلّة المرضى اهتماماً كبيراً نظراً لكونه في بداية مشواره المهني، وكان يحدّث نفسه دوماً بأن الأيام القادمة ستكون أفضل، ومرت الأيام ولم يتغير شيء، بل على العكس، كان عدد المرضى في تراجع، بينما هو يسعى لتطوير معارفه وخبراته، فكان من المواظبين الأوائل على تتبّع المؤتمرات العالمية المتخصصة في هذا الشأن، وفي كل مرةٍ يعود فيها من مؤتمرٍ أو ندوةٍ، كانت ترافقه الحماسة والاندفاع للعطاء، كما ترافقه استفساراتٌ متزايدة عن رفض الناس لزيارته، إلى أن قوبل ذات يومٍ في إحدى جلساته من أحد الموجودين بسؤالٍ عن اختصاصه، وحينما أجابه، ضحك السائل بصوتٍ عالٍ وقال له: آه، أنت إذاً طبيبٌ للمجانين!

حاول جاهداً إقناع ذاك الشخص بأهمية عمله، إنما دون فائدةٍ تذكر!مما دفعه للخوض في غمار التركيبة المجتمعية التي يحيا ضمنها، والتي أدرك ولو بعد وقت متأخر أنها ترفض الاعتراف به طبيباً، برفضها المطلق لفكرة المرض النفسي، ذلك أن معنى هذا المرض هو الجنون فقط، وإن صادف أن جاءه بعض المرضى، فمعظمهم يطالبونه بالسرية التامة كي لا يفتضح أمرهم بين الناس، وكأن الأمر معيبٌ لدرجة النبذ الاجتماعي، وقلةٌ قليلةٌ من زواره أتوه بقناعةٍ تامة بأهميته طبيباً لا يختلف ولا يقل شأناً عن زملائه من باقي الاختصاصات الأخرى...

أقام عدة جلسات حوارية عن أهمية الطب النفسي في المجتمع، لا سيما تلك المجتمعات التي تتعرض لضغوط مختلفة ومتنوعة لا تقتصر على الضغوط المادية وحسب، بل إنها تتوسع لتشمل الضغوط الأسرية والذاتية وضغوط العمل، فما بالنا بالمجتمعات التي تعيش أشكالاً متعددة من الحروب والصراعات الإثنية أو العرقية أو الطائفية...باذلاً كل جهدٍ لإقناع الحضور بأن النفس البشرية تُرهق وتعاني العديد من الأمراض كما يعاني أي عضوٍ آخر في الجسد، ولماذا نجاهر بزيارة طبيبٍ للقلب مثلاً أو للعيون، بينما نخجل حتى من طرح فكرة أننا قد نكون مرضى نفسيين، ومرضنا هذا ربما يكون هو السبب الحقيقي والدافع لأمراضٍ عضويةٍ عديدة قد نعاني منها....ذلك أن الجسد والروح أو النفس كلٌّ متكاملٌ، كل عضوٍ فيه يكمل الأعضاء الأخرى، وبالتالي فإن الروح هي جزءٌ أساسي من ذاك الجسد، والأمراض مترابطةٌ بعض الشيء فيما بينها، لا سيما في ظل العديد من المشاكل التي يعاني منها إنسان العصر الحديث المحمّل بالكوارث المختلفة والإرهاصات المتعددة. وهذا ما يجعله بحاجة أكثر من طبيعية إلى معالجة تلك الإرهاصات والضغوط المتزايدة.. فهلاّ اعترفنا بعمق جراح النفس والروح المحتاجة إلى من يداويها.

تمت قراءته 3240 مرات