العدد:783
تاريخ: 20/ 9/ 2017
 

الشباب بين براثن العنف والتطرف

قييم هذا الموضوع
(1 تصويت)

الاختلاف مشيئة الخالق وسمة تميز الحياة الإنسانية في كل أشكالها وطرائقها وجوانبها، ورغم التطور والحضارة فقد جُعل الاختلاف سبباً للنزاعات والحروب والاقتتال والغزوات، وذلك لبسط السيطرة والتملك ومدّ النفوذ. فالعنف أسبابه متنوعة فكرية وسياسية ونفسية واقتصادية واجتماعية، وقد رافق حياة المجتمعات الإنسانية نتيجة شحذ الأفكار المتطرفة مما جعل بعض أفراد المجتمع ينطوون في إطار تيارات الغلو والإرهاب، فيقومون بارتكاب أفظع الجرائم بأشكال ووسائل ومصادر متعددة تتناسب مع تغيرات الأحوال وتبدل الزمان و المكان، مخالفة بذلك الفطرة الإنسانية التي أباحت الأفعال  والتصرفات.

وفي ظل هذه التحولات التي رافقتها تحولات في العلوم الاجتماعية وخاصة أشكال التدين الذي يعتبر سلوكاً ونشاطاً اجتماعياً بهدف التقرب إلى الله، ويساهم الأهل ورجال الدين والمناهج الدراسية والبيئة المحيطة بالفرد في تشكل البذرة الأولى في مفهوم التدين، وإذ يعتبر التدين حرية شخصية لها شعائرها وطقوسها الخاصة، فقد حرص المشرع على صونها وتجريم الاعتداء على ممارسيها، ونصت المادة 42 من الدستور السوري (على حرية الاعتقاد وصونها وفق القانون)، وأكد أيضاً في المادة 54 منه أن (كل اعتداء على الحرية الشخصية أو على  حرمة الحياة الخاصة أو على غيرها من الحقوق والحريات العامة  التي يكفلها الدستور يعد جريمة يعاقب عليها القانون).

وحرصاً من المشرع السوري على حماية كيان الدولة وبناء دولة الحق والقانون تقوم على المواطنة والعدالة الاجتماعية، فقد نص في المادة 8 من الدستور (لا يجوز مباشرة أي نشاط سياسي أو قيام أحزاب أو تجمعات سياسية على أساس ديني أو طائفي أو قبلي أو مناطقي أو فئوي أو مهني أو بناء على التفرقة بسبب الجنس أو الأصل أو العرف أو اللون). ونص أيضاً في المادة 33منه (المواطنون متساوون في الحقوق والواجبات لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة). وإذ تقوم الحضارات على اختلاف الثقافات وتباين الأفكار الإنسانية والتقاء الأديان وائتلافها لصالح الحياة الإنسانية، التي تعلو فيها قيمة الإنسان وتسود العدالة الاجتماعية.

 ويعتبر الشباب الركيزة الأساسية لنقل الحضارات وتفاعلها فهم طاقة الأمم وقادة المجتمعات نحو تحقيق التنمية والعدالة، وهم وقود وشعلة لأي تطور وحضارة وهم كذلك لأي صراع أو اقتتال، وهذا يعود إلى مدى تماسك المجتمع أو هشاشته، وهو ما يعبر عنه بمدى احترام القانون وتطبيقه والحفاظ على الأمن والأمان، وقد أثرت فيه العولمة من خلال الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي التي استقطبت الشباب وأفكارهم وحياتهم، وفصلتهم عن قضايا البناء والتنمية كما يحدث الآن في الأزمة السورية التي عصفت بها رياح التعصب والتطرف الديني الذي أدى إلى العنف والجريمة والانتقام بكل أشكالها نتيجة التراكمات التربوية الخاطئة والانحراف والغياب عن معايير العقلانية والعدالة والمعرفة العلمية، وتحريك العاطفة الدينية المعتدلة في ذهن الشباب إلى عاطفة دينية متطرفة محبوكة بالكره والتعصب والانتقام، لارتكاب أشنع الجرائم بحق الإنسانية التي جعلت منه فريسة سهلة بأيدي جماعات وعصابات التطرف والإرهاب والجريمة التي اجتثت الأمن والسلام وبثت الرعب والخوف في النفوس،

لذلك لابد من إدماج الشباب في عملية الإنماء، وذلك بمشروع  إصلاحي فكري يساهم في مواجهة مختلف المذاهب الفكرية والدينية دون تصادم معها أو انصهار فيها، بل مشاركة وتفاعل يأتي من خلال ردم الفجوة المعلوماتية الخاطئة عن المعتقدات الدينية، والتحرر من الكبت وردم الفراغ الثقافي والفكري والسياسي والاجتماعي في أوساط الشباب، لتشجيع الحوار الحر والانشغال بقضايا البناء والتنمية والانخراط بالمجتمع لاكتساب القوة، وأيضاً لابد من مبادرات مجتمعية وتوعوية للتعريف بمدى خطورة العنف والتطرف وإبعادهم عن الظروف التي قادتهم إلى إنتاج هذا العنف، وإعادة النظر في مناهج التعليم والتربية وإعطاء الإعلام دوراً قيادياً وريادياً لبث الأفكار العلمانية وبث روح المواطنة وردم الفجوة بين التعليم وسوق العمل واتباع سياسة التشغيل والدمج والتمثيل في منظومة العمل وبناء مجتمع قوي منتج يسوده الحق والعدل والأمن والأمان.

تمت قراءته 2827 مرات