العدد:780
تاريخ: 16/ 8/ 2017
 

الزواج في ظل قوانين غير فاعلة

قييم هذا الموضوع
(1 تصويت)

يُعدُّ الزواج من أهم الأحداث في حياة الإنسان لما يترتب عليه من تأثير على الفرد والأسرة والمجتمع، إنه أفضل مؤسسة اجتماعية تؤدي وظيفة بنّاءة وضرورية لاستمرار الجنس البشري وارتقائه، وهو المسكن الذي يحمي الإنسان ويحقق له الاطمئنان والهدوء والاستقرار، مما يدفعه ليكون الدعامة الأولى في بناء المجتمع ونجاحه واستقراره، وقاعدته المتينة في إرساء حضارته وبناء أمجاده ومستقبله، فبناء الأسرة هو بناء المجتمع، والزواج هو حل لكثير من المشاكل الاجتماعية والنفسية الداخلية لما يحققه من تهذيب الإنسان من ناحية خلقه وسلوكه واستمرار عطائه دون توقف.

لقد شجع الدستور السوري لعام 2012 على الزواج لتكوين الأسرة التي تُعدُّ نواة المجتمع فنصت المادة 20 منه على:

1-الأسرة هي نواة المجتمع ويحافظ القانون على كيانها ويقوي أواصرها.

2-تحمي الدولة الزواج وتشجع عليه وتعمل على إزالة العقبات المادية والاجتماعية التي تعوقه، وتحمي الأمومة والطفولة وترعى النشء والشباب وتوفر لهم الظروف المناسبة لتنمية ملكاتهم.

وأيضا نصت المادة 12 منه على (1-تكفل الدولة كل مواطن وأسرته في حالات الطوارئ والمرض والعجز واليتم والشيخوخة).

وإذ تعتبر المرأة نصف المجتمع، فقد أعطاها الدستور حق العلم وحق الإسهام في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وأيضاً ساوى بينها وبين الرجل في العديد من نصوصه.

فقد نصت المادة 33 منه على: (3-المواطنون متساوون في الحقوق والواجبات لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة).

 ولأن لسنّ الزواج أهمية كبرى فقد حدد المشرّع السوري السن القانوني والاجتماعي للزواج، إذ نصت المادة 16 من قانون الأحوال الشخصية على تحديد سن الزواج للفتى ب18 عشر عاماً وللفتاة 17 عشر عاماً. وفي المادة 8 منه أجاز المشرع زواج الفتى بسن 15عاماً والفتاة بسن 13عاماً بإذن من القاضي وموافقة الولي. ولكن على الرغم من صدور التشريعات والقوانين التي تنظم الحياة الاجتماعية، لم يخلُ المجتمع السوري من المشاكل الاجتماعية كالزواج المبكّر والعنوسة، وهذه المشاكل كانت وليدة العادات والتقاليد والأعراف الاجتماعية.

ونظراً لما طرأ على الزواج من تحدّيات وعقبات تعرقل الوصول إليه بسبب الانفتاح الفكري والثقافي والتعليمي، وما أفرزته الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي، ظهرت مشكلة ارتفاع سن الزواج لدى المرأة والرجل عمّا كانت عليه في السنوات الماضية، وهذا يرجع بالنسبة للمرأة إلى دخولها ميدان العلم والعمل وانتشار التعليم العالي وتبدّل اهتماماتها بنفسها ورغبتها بالاستقلال المادي والمعنوي.

ويُعتبر المجتمع السوري مجتمعاً فتياً، مما جعل هذه الظاهرة من أضخم المشاكل الاجتماعية على الساحة الثقافية والفكرية والإعلامية المعاصرة، إضافة إلى الأزمة السورية والحرب التي أظهرت حجم الكارثة وما آل إليه الوضع من أزمات اقتصادية وأمنية، إضافة إلى ما أصابهم أيضاً من قتل وتهجير والتحاق بخدمة الوطن، مما ساهم كله في عزوف الشباب عن الزواج، قابل هذا بقاء العديد من الفتيات دون زواج (عانس).

فالعنوسة مصطلح اجتماعي خاوي المضمون، أطلقه المجتمع الذكوري على الفتيات، وهذا المفهوم يتغيّر بتغيّر الظروف والأوضاع الاجتماعية والتطور الزمني للمجتمع، والسبب الأساسي في هذه التسمية هو حصر دور المرأة في الإنجاب، فالمجتمع يضع لها مدة صلاحية تنتهي بانتهاء قدرتها على الإنجاب، مما يجعل المجتمع يخسر قوة يمكن أن تكون أكثر فاعلية في المجتمع.

فالمرأة هي جزء من المجتمع، وإذا لم تُعطَ فرصة تكوين أسرة في الحياة فلا يعني ذلك نهاية المطاف، بل هناك جوانب كثيرة تساهم فيها وتحقق ذاتها ورغباتها، فالمرأة الواثقة من نفسها والقادرة على تحقيق ذاتها ليست عانساً، وإن لم تجد الشريك المناسب فذلك لا يعني أن تنتهي حياتها مع رجل لمجرد إشباع الرغبة وإنجاب الأولاد وإرضاء المجتمع، وهذا لا يلغي مكانتها الاجتماعية ونجاحها وعملها. يُعتبر الزواج نجاحاً، فحتى لو وصلت الفتاة إلى أعلى المراتب تظلُّ في نظر المجتمع فاشلة دون تحقيقه، وهذه ثقافة سلبية للمجتمع، وهي نظرة قاصرة وغير عادلة تجاه الفتاة غير المتزوجة، وقيد على حرية الفتاة في أن تتزوج أو أن تعيش بلا قيود، فلا تُرغم على الزواج لمجرّد التخلّص من شبح العنوسة.

وللحدّ من ظاهرة عزوف الشباب والشابات عن الزواج، على المؤسسات الاجتماعية والجمعيات الخيرية أن تجنّد طاقاتها وجهودها لمواجهة تفشي هذه الظاهرة، وإعادة الاعتبار للزواج بوصفه رباطاً أسرياً وليس علاقة تجارية، من خلال تنظيم ندوات ومحاضرات دورية للتوعية بمفهوم الزواج ومحاربة العادات والتقاليد، وإقامة أسواق خيرية مختلفة تساهم في توفير متطلبات بيت الزوجية، وعلى الدولة بمؤسساتها والحكومة بدوائرها التنفيذية رصد هذه الظاهرة وتطويقها وإعداد الدراسات والخطط اللازمة لمعالجتها، ووضع الميزانيات الكافية لردم الهوّة ومعالجة المشكلة، والأهم أن تعود سورية معافاة ويعود شيبها وشبابها وأطفالها، ذكوراً وإناثاً، إلى بيوتهم.

تمت قراءته 3006 مرات