العدد:768
تاريخ: 10/ أيار/ 2017
 

العامل.. من يحميه؟

قييم هذا الموضوع
(1 تصويت)

 العمال هم بُناة الحضارات الإنسانية وأوابدها، بُناة الحاضر وصنّاع المستقبل، بسواعدهم دُفعت عجلة التقدم والعمران والإنتاج والنهوض بمقدرات البلد. هم النواة والأداة الربحية لكل مشروع يقوم به أرباب العمل التي يكون الهدف منها ومقياس النجاح فيها هو مقدار أرباحهم. لذا تراهم في صراع دائم مع أرباب العمل لأنهم الطرف الأضعف والمهمّش، والذين قادتهم ظروف الحياة الصعبة للعمل تحت رحمتهم، في ظل اضطهاد وتعسف وظلم لهذا العامل الذي يحلم ببعض من النقود لسدّ رمق بطون جائعة ودفع فواتير لا حصر لها.

وباعتبار حق العمل جزءاً من المنظومة العالمية لحقوق الإنسان التي أقرها العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وإعلان منظمة العمل الدولية للمبادئ والحقوق الأساسية في العمل، الذي يوجب على الدولة الالتزام باحترامه وحمايته وكفالة الحصول عليه لكل شخص.

وقد أكد الدستور السوري ذلك في المادة 40 منه التي نصت على:

1- العمل حقّ لكل مواطن وواجب عليه، وتعمل الدولة على توفيره لجميع المواطنين، ويتولى القانون تنظيم العمل وشروطه وحقوق العمال.

2- لكل عامل أجر عادل حسب نوعية الأجر ومردوده على ألاّ يقل عن الحد الأدنى للأجور الذي يضمن متطلبات الحياة المعيشية وتغيّرها.

3- تكفل الدولة الضمان الاجتماعي والصحي للعمال.

وانسجاماً أيضاً مع أحكام اتفاقية العمل الدولية الخاصة بعدم التمييز، واتفاقية العمل الدولية المتعلقة بالمساواة في الأجور، جاءت المادة 33 من الدستور التي نصّت على تساوي المواطنين في الحقوق والواجبات ومبدأ تكافؤ الفرص والمساواة في الأجور دون تمييز على أساس الجنس.

وعملاً على تحقيق التنمية البشرية والاستثمار في الإنسان فرداً وجزءاً من المجتمع، ولرفع معدلات النمو الحقيقي، وللحدّ من ارتفاع مستوى البطالة، ودفع عجلة الاقتصاد الوطني وزيادة الدخل، عملت الدولة على تحسين شروط العمل وخلق فرص عمل جديدة تمكّن المواطنين من التمتع بحقوقهم الإنسانية الأساسية، وبضمنها الحق في مستوى معيشي كافٍ، في ظل التطورات المتسارعة اقتصادياً وتكنولوجياً واجتماعياً، وذلك من خلال النهوض بالقطاعين الخاص والحكومي وتطوير التشريعات الناظمة لهما.

فالقطاع الخاص ذو طبيعة تجارية أو صناعة أو خدمية نظمه قانون العمل رقم 17 لعام ،2010 وأراد المشرع السوري من هذا التشريع تعزيز الحماية المقررة للعمال، وإيجاد التوازن بين العمال وأصحاب العمل، بتحديد الحقوق والواجبات لكلا الطرفين وذلك من خلال:

- إعطاء العامل أجراً يتناسب مع كمية عمله وتحديد ساعات العمل ومنح العمال راحة أسبوعية وسنوية مع الأجر، وتعويض خاص للعامل في حالات التسريح والعجز والطوارئ الناشئة عن العمل.

- تعيين الشروط الخاصة بعمل النساء والأحداث وخضوع المعامل للقواعد الصحية وتنظيم نقابة ضمن حدود القانون.

فمن يحمي هذه الفئة المجتمعية مع اتساع رقعة العمالة الفقيرة في ظل الأزمة الراهنة بسبب التهجير والنزوح الذي جعلهم يقبلون بشروط عمل مجحفة بحقهم، وفي ظل غياب الأمان والاستقرار الوظيفي وتدني معدلات الأجور وغياب الحماية الاجتماعية والعمل لساعات طويلة، واستمرار الانتهاكات التي تمس حقوقهم العمالية والإنسانية المنصوص عليها في قانون العمل، والتي ساهمت في زيادة طمع أصحاب العمل الذين يريد معظمهم التحلل من أي قيد أو ضوابط قانونية تحفظ حقوق العمال، كما ينتهكون أحكام قانون العمل والتأمينات الاجتماعية، ويستغلون ضعاف النفوس لإضعاف دور النقابيين وتجريدهم من أدواتهم الضاغطة وأهمها الإضراب.

فالتسريح التعسفي شُرعن بالمادة 65 من قانون العمل رقم 17 التي ألزمت صاحب العمل بالتعويض للعامل، ولكن حرمته حق العودة، وأيضاً قصور قانون العمل عن إنفاذ العديد من الحقوق والمبادئ الأساسية في العمل مثل الحق في التنظيم النقابي وحريته، وانعكس ذلك بمنع العاملين في القطاع الخاص من تنظيم أنفسهم في النقابة، مع تراجع شروط العمل وفشل النقابات العمالية في الدفاع عن مصالحهم وتحسين شروط عملهم، بعد انتشار المحسوبيات والمحاباة والفساد بين النقابيين، وعدم قيامهم بالدور الأساسي، الذي يتطلب تنفيذ جولات تفتيشية لأماكن العمل والتعرّف على وضع العمال ومطالبهم ومعاناتهم، فعلى النقابيين أن يعدّوا برامج وتقارير سياسية واقتصادية تنظيمية وثقافية ومالية تلامس هموم العمال وواقع العمل لرفع الظلم وتحصيل الحقوق المعتدى عليها، والتصدي للمتغيرات الخطيرة في المجتمع، وذلك بتفعيل دور اللجان النقابية لاعتبارها صلة الوصل بين الطبقة العاملة واتحاد النقابات، وأن تتحمل النقابات والاتحادات مسؤولياتها في الدفاع عن حقوق العمال ومطالبهم ، ووضع حد لانتهاكات أصحاب العمل.

وأيضاً لحماية هذه الطبقة المجتمعية، على وزارة العمل اتخاد التدابير الإدارية والقانونية لإلزام أصحاب العمل بتنفيذ أحكام قانوني العمل والتأمينات الاجتماعية، والعمل لتحقيق الإصلاح الاقتصادي والإداري والتنمية الاقتصادية لزيادة الدخل الوطني ومحاربة الفساد وتحسين مستوى عيش العامل. كما على مؤسسة التأمينات الاجتماعية المساواة بين جميع القطاعات من حيث الزيادة الدورية لجميع الرواتب والأجور، وإلغاء عقود العمل المؤقتة والمحددة المدة، وإلزام جميع الشركات والمعامل في القطاع الخاص والمشترك بالانتساب للنقابات وتطبيق قانون التنظيم النقابي، وإلزام أصحاب العمل بتسجيل العمال في التأمينات الاجتماعية للحصول على معاش جيد بعد الوصول إلى سن التقاعد أو العجز، وكذلك تعديل قانون تنظيم نقابة العمال بما يتوافق مع مبادئ الدستور والمرحلة الراهنة والمستقبل، ووضع قانون حديث متطور من حيث العمل النقابي، وأن يختار الممثلون في المجالس الإدارية بناء على معيار كفاءة الشخص وليس عن طريق المحسوبيات.

تمت قراءته 3009 مرات