العدد:773
تاريخ: 21/ حزيران/ 2017
 

من أجل يسار تفاعلي.. يتجاوز نفسه ويتجدد الأيديولوجيا عندما تتحول إلى مذهب

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

دعاني الرفيقان طلال الإمام وغانم بيطار للمشاركة في (ملتقى فكري) يناقش (دور أحزابنا الشيوعية وعموم قوى اليسار والديمقراطية في مواجهة مشاريع تفتيت بنية الدولة الوطنية، وفي مواجهة التطرف والإرهاب والطائفية)، في مجتمعاتنا العربية. ينظم الملتقى أعضاء في الحزب الشيوعي السوري الموحد، خارج الوطن، يومي 28-29 أيار القادم، في كوبنهاغن. يساهم في الملتقى رفاق عراقيون ودانماركيون.

هذه مشاركة أولية، في التحضير للملتقى، أقترح ضمّ تساؤلاتها اللجوجة، إلى الأسئلة الصميمية التي تطرحها ورقة عمل الملتقى الفكري. ولعلّ جريدة (النور) تحتضن جهد رفاق الخارج، وتخصص جزءاً من صفحاتها، المتناقصة( للأسف)، لحوارات الملتقى.

أطروحات يسارية راهنة

أقرأ جريدة (النور) في جهاز (التاب). إنه إنجاز تقني يُكسِبك وقتاً أطولَ للمطالعة، خلال انقطاع التيار الكهربائي. فوجئت بأنه مصنّع في فيتنام، من قبل شركة غربية. تساءلتُ: لماذا لا يخشى الفيتناميون أن:(تأخذهم الإمبريالية، من الداخل، بعد أن عجِزت عن أخذهم من الخارج)، فتفلح في: (تغيير قرارهم الوطني)؟

لماذا توجّه الرئيس الإيراني، فور إلغاء العقوبات المفروضة على بلاده، إلى بعض الدول الغربية، بهدف التعاقد على توريد منتجاتٍ متطورة، بمبالغ ضخمة؟

كيف تُحقق، الصين، الدولة العظمى، أعلى وتائر النمو الاقتصادي، عالمياً، في ظلّ نظامها (الشيوعي/ الرأسمالي)، في خضم العولمة التي أصبحت سمة النظام الدولي، ومن خلال الشركات متعددة الجنسيات، التي تشكل الحصة الأمريكية الجزء الأكبر فيها؟

كبُر همّي وأنا أقرأ في النور( العددان 707+ 708)، نعي (التنمية الممنوعة)، في مقالةٍ، جاء، في مقدمتها: (من المستحيل على حركة تحرر أن تستمر في مجابهة الغرب وهي تشاطره منظومته الاقتصادية نفسها) - هادي العلوي، في الإسلام المعاصر-

تساءلتُ: هل هناك في العالم، اليوم، غير تلك المنظومة الشيطانية؟ إذًاً، أين نذهب؟....تذكرتّ طرفة أحد الحكماء: (إذا كنت لا تعرف أين تمضي، فستصل إلى هناك، حتماً)! ولكننا نعرف الآثار المؤلمة لإخراجنا، من تلك المنظومة، قسراً، عبر الحصار الاقتصادي الجائر الذي أصبح عمره خمس سنوات، عدا التضييقات التي سبقت الأزمة.

ثم قرأتُ استشهاداً داعماً، من روزا لوكسمبورغ: (لا يمكن الحصول على فائض القيمة (أو تحقيقها) اعتماداً على البيع للعمال أو الرأسماليين( في المركز الرأسمالي)، بل هذا ممكن فقط عبر التبادل مع منظومات وشرائح اجتماعية غير رأسمالية).

يأتي فائض القيمة، بحسب الكاتب، من عمال، وربما مجمل شعوب الدول غير الرأسمالية. ولكن البلد المتبقي، خارج تلك المنظومة، يقع في شمال شرق آسيا، وهو صغير، رغم امتلاكه القنبلة الذرية، ولا يتعامل الغرب معه. إذاً كيف تعيش (الرأسمالية)؟ من أين تحصل على فائض القيمة؟

أليس بؤساً فكرياً، أن لا ننتج، حتى الآن، استنتاجاتٍ واقعية، ترتكز على التطورات التي عشناها ونعيشها، وهي أهم وأبلغ من أية مقولاتٍ لمنظّرين اجتهدوا في زمنٍ آخر؟ ما هو مطلوب، اليوم، ليس تذكيرنا، بما قالوه، لنعيد إنتاج ما تسرب من تفكيرنا التقليدي، وهو قليل.. المطلوب هو معرفة دور فكرنا الثابت في جعلنا نمضي، أكثر وأكثر، إلى ما وراء حاضرنا. أتساءل: هل نحن تقدميون، عندما نجيب، عن أسئلة الحاضر، بمفاهيم الماضي المقدّسة؟

كيف استمر دوران كوكبنادون نظامين اجتماعيين متصارعين؟

بيد أن النظام الاقتصادي العالمي نفسه، قائم، ومازال يوفّر شروطاً لتطور أدوات الإنتاج، عبر تقانةٍ لا تكفّ عن إدهاشنا بمنجزاتها، كل يوم.. وهو اقتصادٌ يُعاني من أزماتٍ كثيرة، تكبر ثم تصغر، ثم تكبر من جديد.. وليس هناك ما يوحي بأنه سينجو من أزماتٍ كهذه، لمسافة زمنية غير محددة. ربما تكون الأزمات لصيقة بطبيعة الاقتصاد، كل اقتصاد. ولكن الأمل يكبر بأن هذه الأزمات قد لا تجرّ العالم إلى حروب عالمية، من جديد، فتدمر مكان الحياة الوحيد المعروف، حتى الآن.

لم يعد العالم منقسماً إلى نظامين اجتماعيين، ولم تعد تُذكر عملية الانتقال إلى الاشتراكية، بوصفها سمةَ العصر، كما رسمناها في سبعينيات القرن الماضي. ولكن تحدياً تاريخياً، يجابه اليسار، في بلادنا وفي العالم: ما هو بديلكم عن المشروع الاجتماعي الذي وعد وحقق إنجازات هامة، لكنه لم يعد موجوداً؟

لم تتأكد قوانين التطور المادي الجدلي لحتمية انتصار التشكيلة الشيوعية. وماذا بعد؟ نثق بأن فشل التجربة لم يعنِ نهاية التاريخ. هو لن ينتهي ولن ينقطع ليبدأ من جديد، بحسب أيديولوجياتٍ مختلفة.

إذا اختفت الاشتراكية، واقعاً، وبقيت حُلماً، فإن هذا لا يعني زوال مشروع عدالة اجتماعية متطورة، يزدهر في بلدانٍ كثيرة، دون أن تحوذز الدولة على جميع وسائل الإنتاج، ودون أن يقودَها، بالضرورة، حزب الطبقة العاملة. ولكنه يبقى كمشروع، ممكناً بقدر ما يكون مرناً كفرضية، وليس صارماً كقانون. ففي العلوم الطبيعية تُجرّب الافتراضات، قبل أن يجري تبنيها بوصفها قوانين. هل الحال كذلك في العلوم الاجتماعية؟ مهما كان الجواب، يجب أن لا نخسر التجربة، مرة ثانية، حين لا نتعلم منها.

التفسير الطبقي للأزمة الوطنية السورية

يُبرز بعض المحررين الاقتصاديين، في جريدة (النور)، دور السياسات الاقتصادية النيوليبرالية التي انتهجتها الحكومات المتعاقبة، في السنوات العشر الأولى من القرن الحالي، في نشوب الأزمة السورية. ويُحمّل أحد النواب الاقتصاديين لرئيس مجلس الوزراء مسؤولية تلك السياسة.

لا يمكن الموافقة على أجزاء أساسية من تلك السياسات التي نُظّر لها، والتي كانت العلاقات غير المتحفظة، اقتصادياً وسياسياً، مع تركيا، خصوصاً، أحدَ أخطر جوانبها. أعيد التذكير بأن مسؤولين في وزارة الإدارة المحلية وقّعوا، قبل أسابيع قليلة من اندلاع الأزمة، مسودة اتفاق أولي، مع شركاتٍ تكنولوجية خاصة تركية، لتطوير المديرية العامة للمصالح العقارية، إحدى أكثر المؤسسات الحكومية حساسيةً، رغم تنبيه الاختصاصيين السوريين، من خارج المديرية، إلى فداحة تلك الخطوة، لو نفّذت، سيادياً واجتماعياً وأمنياً وهندسياً. سرعان ما توقف إكمال الاتفاق، بسبب اندلاع الأزمة.

لكن هل توازي الأسباب الاقتصادية الاجتماعية للأزمة، المساحة التي تُعطى لها، على الصفحات الاقتصادية في (النور)؟

تستحق الإجابة عن هذا السؤال التفكير المسؤول بمجمل الأسباب العميقة للأزمة، لأن هذا يساعد في بلورة الحلول الضرورية لها.

1- يستدعي، شيئاً من التمهل، الحكم بأن (تلك السياسة المتأثرة بالليبرالية الاقتصادية الجديدة، لم تكن تعّبر عن رؤية اقتصادية بحتة، بل كانت نافذة حاولت الإمبريالية العالمية بزعامة الولايات المتحدة النفاذ عبرها إلى تحقيق أغراض سياسية...)، ثمّ: (إن خلق مناخ اقتصادي واجتماعي يؤدي إلى اتساع غضب الجماهير الكادحة.. كان هدفاً سعت إليه الإمبريالية الأمريكية، بهدف تقويض الأنظمة السياسية في هذه الدول، واستبدال حكومات موالية بها).

يجب تقويم ما جرى، من جوانبه الاقتصادية والسياسية، وتخفيف حدّة النظرة الأيديولوجية إليه. لقد حملت تلك السياسات، واقعياً، نتائج سلبية، تكفي للحكم عليها. بينما يبقى الاعتقاد بأن (الإمبريالية الأمريكية) كانت وراءَها، (لتصفية حسابات سياسية مع سورية)، حكماً مريحاً فضفاضاً، أيديولوجياً وليس سياسياً، تجاه دولةٍ تتصف ببراغمتيتها وبتقلبات سياساتها اليومية، هو حكمٌ متأثرٌ بالتعيينٍ التاريخي الثابت والمطلق للعدو، وهو غير مفيدٍ لنا، عدا كونه لا يؤذي ذلك العدو.

2- نفتقر إلى وقائع تثبت بأن (بعض كبار الصناعيين) كان بين الذين ازدادوا ثراءً، بسبب تلك السياسات؟ هل يستفيد كبار الصناعيين من الانفتاح على الصناعات التركية وغيرها، التي ابتلعت أسواقَنا؟

يبدو أن المبالغة في وزن العامل الطبقي، الخارجي والداخلي، خلال تفسير أسباب الأزمة، لا تجعلنا نفهمها على نحوٍ أدق. كانت الأزمة تطوراً خطيراً في التاريخ السوري، ولكي نستطيع وقفه واستعادة الدولة والتعايش الأهلي، يجب أن نعطي أوزاناً واقعيةً لكلّ عاملٍ من عوامل الأزمة، في سياق تحليلٍ أوسع لكامل مرحلة الاستقلال الوطني.

3- لم تُرفع، خلال التظاهرات، أية شعارات اجتماعية، ذات محتوى طبقي، بل هي توزعت بين مطالبات شبابية بالحرية، وأخرى ذات طابع إسلامي ارتدادي، طغت، لاحقاً. ليس من السهل، واقعياً، وليس افتراضاً، تحديد التركيب الاجتماعي الطبقي للذين رفعوا تلك الشعارات، أو لهؤلاء الذين دخلوا، لاحقاً، في المجموعات المسلحة، على أنواعها، وصولاً إلى داعش.. وعدم معرفتنا لهذا الجانب الجوهري، في الأزمة، مقلق. ولكنني أرجّح أن البرجوازية الصناعية والتجارية لم تدعم تلك المجموعات، وهي عانت من تلك السياسات الاقتصادية للحكومات المتعاقبة، وتحتاج، في شغلها، إلى الاستقرار، كأكثرية السوريين.

4- يصعب تفسير الظاهرة الدينية المتطرفة المنتشرة، ليس فقط في سورية، بوصفها ظاهرة طبقية، مشخّصة. لعلّ فيها آثار تأرجح الوعي التاريخي وتفاعله مع عوامل سياسية دنيوية، نمواً وتراجعاً، إضافة إلى تهيب قوى اليسار من التعامل مع الظاهرة الدينية المعقدة، عموماً. لم تدخل العلمانية، بثبات، كمنهج حياة اجتماعي، وليس، فقط، فصلاً منقوصاً بين الدين والدولة. ولكني أرجّح أن العامل الاقليمي لعب الدور المركزي في تنمية ظاهرة التطرف الديني وشكله الأخطر المتجسِّد في الطائفية والمذهبية. وإذا أعدنا دراسة تطور الأحداث في منطقتنا، منذ نهاية السبعينيات، فسنجد أن نمو الإسلام السياسي عندنا ازداد بتأثير ما حدث في جوارنا المباشر. يهدف التحليل المطلوب للأزمة إلى معرفة مجمل العوامل التي أبقت علاقة الدولة بالمواطن، وبالعكس، علاقة تنافرية وهشّة، سرعان ما تنتقل إلى العنف.

دورنا، في اليسار، أن نقدّم أجوبةً، غير جاهزة وغير متسرّعة ولا مكرّرة، عن أسئلة الراهن، وفيها ما هو حديث ومعقّد، أكثر من أن تفلح أدواتُنا المعرفية، غير المتجددة، في الإجابة عنها. إن الاستمرار في اعتماد (الصراع الطبقي محركاً للتاريخ)، بدل النمو المتعاظم للمعرفة العلمية الانسانية، وإبقاء العالم منقسماً، في وعينا، ضمن ثنائية الحليف والعدو الطبقيين، وشمول الصفة الطبقية العلمَ والوعيَ والأخلاقَ والحسَّ..الخ، تحتاج إلى التأكد من استمرار صلاحيتها، وربما يكون الجمود وثبات المفاهيم وأدوات البحث والتحليل ورسم السياسات، أحد أسباب ضعف اليسار وترهّله، في الأزمان التي تحتاجه، بقوة.

يكمن ضعف اليسار في الأيديولوجيا عندما تتحول إلى إيمان ثم إلى مذهب، وتضعف علاقتها بالمتطوِّر، بالعلم. بينما يقوى، عندما يتحلى أهله بجرأة البابا فرنسيس، الذي أبلغ أتباعَه، في الطائفة الكاثوليكية، مؤخراً، بتواضعٍ وصدق:

ليس هناك نار.. ليس هناك جنة!

تمت قراءته 2998 مرات