العدد:811
تاريخ:18/ 4/ 2018
 

كي لا ننسى.. كي نستلهم العٍبر

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

عندما يقلب المرء صفحات الماضي، لا يسعى إلى مجرد التغني بأمجاد ذلك الماضي، أو تقديسه، بل يسعى أيضاً إلى التذكير بما فيه من عبر، ومآثر، ووقائع، وكل ذلك بقصد شحذ الهمم لمواجهة خطوب الحاضر، ومآسيه والتصدي للمحن، والعسف، والبلايا التي تقوّض مقومات الحياة العادية، وتهدم أركانها، وتشيع اليأس في نفوس الناس عامة، ولا شك أن ذلك يشكل أكبر تحدٍّ لقادة الرأي العام من مفكرين، ومثقفين، وزعماء سياسيين وحزبيين، كي يحذوا حذو من سبقهم، فلقد أسهم أولئك في مطلع عصر النهضة بدور مرموق في الدعوة إلى انتزاع الحرية، والخلاص من الاستبداد العثماني، الذي أناخ بثقله على كاهل العرب لأربعة قرون ونيّف. فتغنى الشعراء والأدباء بماضي العرب المجيد، وراحوا يحثون أبناء أمتهم إلى الاستيقاظ، والتنبه، ونزع ستار الذل، والخنوع والدفاع عن عروبتهم ودحر طغاة بني عثمان:

تنبّهوا واستفيقوا أيها العرب

فقد طمى الخطب حتى غاصت الركبُ

فيم التعلل بالآمال تخدعكم

وأنتمُ   بين راحات القنا   سُلبُ

وكان على العرب أن يخوضوا، بعد الخلاص من نير العثمانيين، غمار كفاح مرير، لمواجهة الغزاة الغربيين، وقدّم الشعب السوري أغلى التضحيات على مدى ربع قرن، لكنس الاستعمار الفرنسي، وأسهم الشيوعيون السوريون جنباً إلى جنب مع أبناء وطنهم في معركة الاستقلال المشرفة، وحملوا مشعل الفكر التنويري، وتطوعوا في ميادين النضال لمحاربة الجهل، والأوهام، والأضاليل، والتعصب، والظلامية.

أجل، كانوا حينذاك طليعة المنادين بالمساواة، والحرية، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، وتميزوا عن غيرهم باقتران القول والعمل، فعمدوا إلى توزيع المنشورات ليلاً ونهاراً، سراً وجهاراً، تبُشر بالفكر الجديد، وترّوج القيم التقدمية والإنسانية، وانضووا في التجمعات، والمظاهرات الشعبية المناوئة للفرنسيين، يهتفون بسقوط الإمبريالية والاستعمار، ويقاومون رجال الأمن، وينتزعون ثقة الناس وتقديرهم، لنضالهم ولصبرهم على الشدائد. وفي سجلهم الناصع وقائع كثيرة لا تنسى ، والشواهد على ذلك لا تعد ولا تحصى، وعلى سبيل المثال لا الحصر روى الرفيق ميشيل عيسى أنه بعد ثلاث سنوات من التعذيب والقهر في سجن المزّة، إبان عهد مخابرات السراج زمن الوحدة،  تقرر الإفراج عنه وعن رفاقه، فغمرهم عبق الحرية التي كانوا ينتظرونها، وأثناء خروجهم سمع مدير السجن يناديه بصوت عال قائلاً له : أنت يا ميشيل ستبقى عندنا، فعليك حكم آخر بالسجن لمدة ستة أشهر، لأنك كنت تحرّض الفلاحين ضد كبار أصحاب الأراضي، وثمة تقرير من الدرك يفيد أنك كنت تعّلم هؤلاء الفلاحين بهدف تحريرهم من الأمية وامتلاك المعرفة التي يجابهون بها أسيادهم . فكانت هذه المدة بعد خروج الرفاق، كما يقول ميشيل، من أكثر أيام السجن وحشة وصعوبة وقهراً.

ومن الوقائع المشهودة في ماضي الشيوعيين المثير للإعجاب، المحاكمة التي جرت عام ،1934 لعدد من مناضليهم وقادتهم، بتهمة المشاركة في الاحتفال الذي كان يقام بذكرى ميسلون في 24 تموز من ذلك العام. وقد حرص الشيوعيون على الإعداد الجيد للاحتفال، والحضور، وتداعوا إليه من مختلف منظماتهم في سورية ولبنان، فعقد فريق من عمال بيروت اجتماعاً، قرروا فيه إيفاد المناضل النقابي فؤاد قازان إلى ميسلون، لتمثيلهم وإلقاء خطاب باسمهم، فما كان من فؤاد إلا أن حضر إلى دمشق مع  وفد كبير يربو عدده على خمسين، وكان في مقدمتهم القائد المعروف مصطفى العريسي، وزميله فؤاد جرجس قازان، وعبد العزيز الفاخوري، وعلي رضا صدر الدين، وسليمان حسن أبو إبراهيم،  وعقدوا اجتماعاً قبل موعد المهرجان مع مئات من رفاقهم الشيوعيين السوريين، ومنهم فوزي إبراهيم، وطه الصواف، وتقرر في هذا الاجتماع توزيع المنشورات والبيانات التي تدعو إلى عصيان أوامر الحكومة، وتحضّ العمال والفلاحين على التمرد، كما تم الاتفاق مع اللجنة الوطنية المسؤولة عن تنظيم الاحتفال على أن  يلقي الرفاق مصطفى العريسي، وفؤاد قازان ، وفوزي إبراهيم، وطه الصواف، الكلمات والخطب التي تعبر عن سياسة الحزب ومواقفه. وغداة الاحتفال  أحاطت بالضريح قوة كبيرة من الدرك، محاولة تفريق الناس غير أن ذلك لم يَحُل دون تنفيذ الشيوعيين برنامجهم الاحتفالي، فغمرت بيانات الحزب المكان وتلقفتها أيادي الحضور، بينما راح صوت مصطفى ورفاقه يهدر وقد تعاقبوا على إلقاء خطبهم وكلماتهم، فسارعت قوات الدرك إلى إلقاء القبض على خمسة من الشيوعيين اللبنانيين وأحالتهم إلى القضاء، وعلى رأسهم القائد البارز مصطفى العريسي الذي قال لدى استجوابه إنه تم الاتفاق بينه وبين لجنة الاحتفال بذكرى ميسلون على السماح لممثلين عن وفد لبنان بإلقاء الخطب أثناء الاحتفال، فأعلمه النائب العام الفرنسي بأنه يحاكم بتهمة إلقاء خطب مهيجة، تثير الرأي العام على الحكومة والأمن، وبتهمة توجيه الشيوعيين لتوزيع المناشير الحزبية المعادية للفرنسيين.

وقد انبرى المحاميان سيف الدين المأمون، وعدنان القوتلي، للدفاع عن المعتقلين، مؤكدين أن ما قاموا به لا يخالف القوانين، ويتفق مع حقوقهم الطبيعية في التعبير عن آرائهم. فبرّأ رئيس المحكمة كلّاً من علي صدر الدين، وعبد العزيز الفاخوري، وسليمان أبو إبراهيم، بينما حكم على مصطفى العريسي وفؤاد قازان بالسجن، وقد امتلك العريسي الشجاعة ورباطة الجأش في جلسة المحاكمة التي انعقدت بتاريخ 29 آب 1934 ، فحين سأله القاضي عن اسمه وما الذي قاله في المهرجان قال : أنا مصطفى، أنا عربي من جزيرة العرب، ولي الشرف أن أقول الحقيقة، لقد طالبت الشعب العربي كله الاقتداء بالشهيد يوسف العظمة، وقلت إن الذين يحضرون إلى ميسلون كل عام فريقان: فريق الوطنيين، وفريق العمال، أما الوطنيون فليس باستطاعتهم تحقيق أماني الشعب ولا سبيل للاستقلال إلا بالتعاون الوثيق بينهم وبين العمال والفلاحين.  لقد خطبت ضد الاستعمار، والسلطات الفرنسية المحتلة، والحكومات التابعة، والأوضاع الحاضرة، وهذا حقي وواجبي تجاه شعبي ووطني. وحين سأله الرئيس عما إذا كان يعرف الفرنسية، أجاب بأنه يعرفها ولكنه لا يريد أن يتكلم بها، لأنه لا يحب فرنسا الغازية. ولما سأله إذا كان قد هرب حينما أراد الشرطي اعتقاله إثر إلقائه الخطاب! ثار وانفعل وقال: أبداً أنا لم أهرب، والشيوعي لم يعتد أن يهرب. وحين سئل لماذا أصبح شيوعياً أجاب: لأن مبادئ الشيوعية سامية. ولأن الحزب الشيوعي فوق الأحزاب كلها.

ثم جاء دور فؤاد قازان فسأله الرئيس: وأنت ماذا فعلت؟ فأجاب: أنا خطبت ضد الفاشسيت الذين قتلوا الأطفال، والنساء، والشهيد عمر المختار في طرابلس الغرب، وخطبت أيضاً ضد السلطات الاستعمارية، وضد الرأسماليين، وضد من يسرق قوت الشعب، وليثق حضرة الرئيس بأن الشيوعيين ليسوا ضد فرنسا الحرة، بل ضد فرنسا المستعمرة. وقد طلب المدعي العام تشديد العقوبة على هذين المتهمين الخطرين اللذين لا يعجبهما أحد. فردّ فؤاد قازان بقوله: بلى، يعجبنا فقط المذهب الشيوعي، وحين تم النطق بالحكم الذي قضى بحبس كل من المدعى عليهما مدة عامين صرخا بأعلى صوتيهما: هذا حكم فاشستي!

كانت المحاكمة حدثاً مدوياً، تناقلته الأوساط السياسية، وكتبت عنه الصحافة في سورية ولبنان بإسهاب، متحدثة عن مزايا الشيوعيين، وما يتصفون به من نكران للذات، ومن روح رفاقية كفاحية تغمر قلوبهم بمتعة النضال وتوحد جهودهم، وتجسد استعدادهم للتضحية، والتفاني في سبيل حرية بلادهم، وكرامة شعبهم.

ترى، أيحقّ لنا أن ننسى؟ هل يمكن لهذه الصفحات المشرقة من نضال الشيوعيين أن تشحذ الهمم؟ وهل يستطيع شيوعيو اليوم أن ينهضوا ويستعيدوا تلك السمات الأصيلة التي تحلى بها رفاق الأمس؟ لنعِش ونرَ!

تمت قراءته 133 مرات