العدد:811
تاريخ:18/ 4/ 2018
 

الإرث الحضـاري لبابل وآشـور

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

 خلال ألفي سنة تقريباً أخذت الشعوب المسيحية تصوراتها عن بابل وآشور والبابليين والآشوريين من التوراة فقط.

ويؤكد العالم والباحث الأسيريولوجي الروسي ن. نيكولسكي في كتابه (بابل العريقة) ما يلي:

(إن المفاهيم التي نشأت لدى الأوربيين عن بابل والملوك البابليين وعن آشور والملوك الآشوريين استندت كلياً إلى أرضية الأحاديث التوراتية، فالآشوريون صوِّروا قساة دمويين يشربون الدماء البشرية، ولم يبق إلا قليل، حتى كادوا أن يُنعتوا بأكلة اللحوم البشرية. أما البابليون والملوك البابليون فقد شُبِّهوا بالأناس الفاجرين المخنثين المعتادين على الترف وإشباع الغرائز والرغبات، ولم تكن هناك حتى فكرة الإشارة إلى أن هؤلاء القساة المسلطين على بني إسرائيل يمكن أن يكونوا شعوباً متمدنة ذات ثقافة عالية، وحتى أساتذة للإغريق والرومان).

ومن هنا تأثرت تلك الشعوب بالحضارة الآشورية البابلية في مجالات عدة، منها العلوم والتكنيك والتاريخ والميثولوجيا والأدب والعمل العسكري والطب والزراعة والرياضيات وغيرها.

ما علينا إلا أن نؤكد ونبرهن للعالم أهمية إرث حضارة بابل وآشور، من أين جاء تعداد أيام الأسبوع؟ وكذلك ننظر إلى الاثني عشر شهراً في السنة أو إلى 60 دقيقة في الساعة و60 ثانية في الدقيقة، أليست من منجزات هذه الحضارة؟ وهل سأل الإنسان الفرنسي والإنكليزي والألماني نفسه، عندما يلفظ تسمياته لأيام الأسبوع بشكل آلي، من أين أتت؟ دون أن يخطر في باله أبداً أن هذه التسميات هي ترجمة مبسطة لتسميات بابلية قديمة! وكذلك عندما يتعلم مئات الآلاف من الطلاب والطالبات في المدارس تقسيم الدائرة إلى 360 درجة ويقيسون الأقواس والزوايا بالدرجات، ثم يصعب التخلي عن تقسيم اليوم إلى 24 ساعة والساعة إلى 60 دقيقة، وكذلك نرى أن البابليين هم الذين وضعوا القواعد الأساسية لعلم الفلك، وفي الوقت نفسه يمكن العثور على عدد كبير من الكلمات ذات الصفة البابلية في التوراة وبعض الطقوس الدينية، ومعروفة لنا جميعاً منذ نعومة أظفارنا روايات عن خلق الكون وشجرة الحياة وعن الطوفان وبلبلة بابل، كل هذه الروايات ظهرت أولاً في بابل وآشور، وإن مؤلف الكتب التوراتية غير فيها وفق مشيئته وجعلها تتناسب مع الإيمان بالإله الواحد.

ولتوسيع المعرفة عن الإرث الحضاري لبلاد آشور وبابل، نرى أن فن التطريز هو أحد أقدم الفنون على الأرض، وأنه عثر على اللوحات الحجرية الآشورية على عناصر الزينة في الألبسة.

وإضافة إلى ذلك فإن الأقحوان المنتشر في العالم أجمع انطلق في رحلته هذه من الحدائق المعلقة في بابل، وكذلك انطلقت وردة الجوري من بابل عبر الإغريق والرومان إلى أوربا، كما اشتهروا بالموسيقا وخاصة عندما أعادوا صنع القيثارة الآشورية- البابلية.

والاختراع الآخر لدى الآشوريين والبابليين والذي مازال يستعمل على نطاق واسع في العالم حتى يومنا الحاضر هو الساعات الشمسية والمائية، التي شهدها حتى هيرودوت، وقد عرف العلماء هذا الاختراع من نص مكتوب على لوح غضاري يرجع إلى عام 700 ق.م، وكانوا يستعملون تلك الساعات الشمسية نصف الدائرية لأغراض الرصد الفلكي.

إن الأسبوع السباعي الأيام هو إرث الآشوريين أو البابليين، ويرجع إلى آلهة الفلك السبعة، الذين سجد لهم بابل وآشور القدامى، وهم: شمس (الشمس)، مين (القمر)، مردوخ (المشتري)، نيرغال (المريخ)، عشتار (الزهرة)، نابو (عطارد)، نينورتا (زحل)، وقد حفظت هذه الأسماء في تسميات الأيام باللغات الألمانية والفرنسية والإنكليزية ولغات أخرى.

لقد تركت الاعتقادات الدينية الآشورية - البابلية آثاراً كبيرة على مضامين كتب العهد القديم والعهد الجديد، ففي مثال الشجرة التوراتية للخير والشر نتعرف بيسر على الأسطورة الآشورية - البابلية عن (الخطيئة الأصلية) التي يحكى فيها أن البشر عاشوا في بستان يحوي شجرتين (شجرة اللباس وشجرة نبات) شجرة نبات تهب الحياة الأبدية، من هنا نرى أن الآلهة لم تشأ أن يصبح البشر على صورتهم ومثالهم، لذلك أبعدوا البشر من هذا البستان، فأكلوا من شجرة اللباس.

كذلك نقلت الأسطورة البابلو _ آشورية عن الإله تموز- الذي يموت وينبعث- إلى الديانة المسيحية (وفقاً للأسطورة عن الإله بيل- مردوخ يوري الأكاديمي ف-ستروفه، حيث يعتقل هذا الإله ويؤخذ إلى المملكة تحت الأرضية، وإلى جانبه مجرم ما. يسبب غياب بيل مردوخ حزناً عميقاً لدى الشعب، فينهض للمعركة وتهبط زوجة الإله لتلحق بهم إلى المملكة تحت الأرضية وتنقذه وتخرجه للحرية).

وكذلك يوجد في هذه الأسطورة البابلية أحد مصادر تكوين الإنجيل دون شك، وكذلك تركت ملحمة غلغامش أثراً عميقاً في الأدب العالمي كما هو موجود في قصيدة هوميروس (الأوديسا).

عندما نبدأ بدراسة الهندسة لابد لنا أن نتعلم نظرية فيثاغورس، وقد اقتبسها أثناء زيارته لبابل، أما الرياضيون الآشوريون - البابليون فقد عرفوها قبل ذلك الوقت بألف سنة، كما عرفوا استخراج الجذر التربيعي والتكعيبي ووضعوا مبادئ الجبر وعلم الفلك ووصل إلى غربي البحر الأبيض المتوسط عن طريق الحيثين، وكذلك كان له تأثير واضح على المعارف الفلكية في بلاد الإغريق فيما بعد.

وفي بلاد ما بين النهرين وُضع أول تقويم قمري ما زال يستخدم حتى الآن، وكذلك جمع العلماء الآشوريون والبابليون النباتات واصطفوها، وصنفوها ووضعوا قوائم بالحيوانات المحلية والمجلوبة، وكذلك بالمعادن، كما أجروا تجارب في الزراعة والري، واشتهروا بزراعة العنب وصناعة الخمور منه، كما أسست في بابل أول حديقة للحيوان.

وفي الختام نرى أن النحت في آشور وبابل كان يتميز بخصوصية في الشكل والموضوع، وكان له أثر واضح على النحت الأوربي بالإجمال، ومن خلال بيزنطة على الروس أيضاً.

هكذا ألهمت الاكتشافات العظيمة للحضارات القديمة في بلاد ما بين النهرين علماء الآثار والجيولوجيين والمؤرخين والعاملين لما قدمه هذا الشعب للعالم كله.

تمت قراءته 82 مرات