العدد:804
تاريخ:21/ 2/ 2018
 

عبد الرحمن منيف... صورة الروائي ناقداً

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

 ليس محض استدعاء لقامة ثقافية عربية شغلتنا بأعمالها الروائية والبحثية والإبداعية، أو استذكار لها في مقام الغياب، بل إن استدعاء قامة سامقة في المشهد الثقافي والإبداعي بآن معاً، كالروائي د. عبد الرحمن منيف وما مثله في الوجدان الجمعي الثقافي، والأدل في وجدان الرواية والروائيين، هو استدعاء لأزمنة الرواية العربية وشجونها المتصلة المنفصلة، عند صاحب المدونات الكبرى في مسارات وانعطافات الرواية العربية، وبما مثله أيضاً من قيمة مضافة على المستوى المعرفي والفكري، لا سيما أن صاحب (الكاتب والمنفى) و(هموم وآفاق الرواية العربية) وغيرهما من الأعمال اللافتة والدراسات الجادة، قد هجس طويلاً بأسئلة الرواية، لكنه الأكثر انفتاحاً في سياقاتها وأبنيتها الفنية وخطاب مقولاتها على تخصيب فكر نقدي محايث، مكّنه من أن يفكر بصوت مسموع في وضع النقد الأدبي العربي الراهن، مستثمراً مرجعياته في الرواية العربية وخصوصيتها، وارتباطها (بحركة الواقع العربي وطبائع الناس وأمزجتهم).

إذ ينطلق د. عبد الرحمن منيف من مهاد فني باهر لاستنتاجاته النظرية النقدية، فعلى سبيل المثال يقول في وصف رواية مدن الملح (إن بطل الرواية الفرد، الذي يملأ الساحة كلها، وما الآخرون الذين يحيطون به إلا ديكوراً لإبرازه وإظهار بطولاته، إن هذا البطل الوهمي الذي سيطر على الرواية العالمية فترة طويلة، آن له أن يتنحى، وأن لا يشغل إلا ما يستحقه من مكان وزمان).

بيد أن إشاراته في كتابه (الكاتب والمنفى) بحواراته الكثيفة وأسئلة محاوريه الذكية، إلى ما يعني أسئلة النقد الأدبي، أسئلة البحث الشيق والتحليل العميق، بالتعرف على الصيغة الروائية التي توصل إليها، بل إن ما يغري في البحث على استشرافات منيف لآفاق النقد العربي، انطلاقاً من ملاحمه السردية من مثل خماسية (مدن الملح)، هو وقوف على ثنائية منيف- روائياً وناقداً، في جدلية مفتوحة على ماهية النقد ووظائفه المنشودة، جدلية المبدع المفكر، وعنده أن الرواية كما يفهمها هو (أداة جميلة للمعرفة والمتعة، إنها تجعلنا أكثر إدراكاً وأكثر إحساساً بكل ما حولنا، وقد تقول لنا في السياق، أشياء عديدة يجدر بنا معرفتنا أو تذكرها... ستكون الرواية تاريخ الذين لا تاريخ لهم، تاريخ الفقراء والمسحوقين، والذين يحلمون بعالم أفضل، ستكون الرواية حافلة بأسماء الذين لا أسماء كبيرة أو لامعة لهم).

ويمكن لصاحب هذه الممارسة الروائية أن يذهب إلى صياغاته النظرية بأبعادها النقدية الدقيقة، ليستولد ما يعين على فهم الرواية/ الفن الأكثر تطلباً للذائقة والوجدان، إذ يقول عبد الرحمن منيف: (إن من جملة التحديات التي تواجه النقد، لكي يكتسب مصداقيته، أن يكون موضوعياً ويعتمد مقاييس واضحة، وأن لا تتغير هذه المقاييس تبعاً للعمل أو الشخص الذي يتعامل معه.. إذ وصلنا إلى هذا المستوى نضمن مساهمة النقد في خلق ذائقة جماهيرية، وإلا فسوف القراء في اختيار كتباهم وكتبهم، اعتماداً على الذائقة الخاصة، وبعيداً عما يشرعه النقد وما يريده النقاد). أي بمعنى أن منيف لم ذهب إلى تجريد النقد من تعدد المقاييس، وتعدد المناهج وإلى حرمان النقاد من الذائقة الخاصة، بل نادى بضرورة أن تكون ثمة موازين موضوعية للتعامل مع الأثر الفني، أياً كانت العلاقة بين الناقد والمنقود، وأيا كانت مواقفهما السياسية.

إذاً علينا أن نتقرى العوالم الروائية لعبد الرحمن منيف، ذهاباً إلى ممكنات شرطها النقدي الذي تكتنز به، حتى تستقيم مقارباته النظرية للنقد بمآلات وتحولات أمكنته وأزمنته وشخوصه، ويجهر منيف بالقول هنا: (الروائي ليس منجّماً يعطي حلولاً للمستقبل، كما أنه ليس قادراً على رسم صورة المستقبل بكامل تفاصيلها بدقة، كل ما في الأمر أنه أحد الذين يرون بشكل ربما أفضل من غيرهم في الضباب الموجود...). ويضيف: (ليس هناك يقين كلي أو تأكد كامل،وإنما هناك إمكانية استشفاف وترجيح احتمال على آخر، ضمن هذا التداخل والاختلاط قد لا يمتلك الروائي أو الشاعر كل أدوات المعرفة، وليس واثقاً كل الثقة من الكلمة التي يقولها، أو الحكم الذي يصدره، لكن هناك نواة أساسية يبني عليها، وهذه النواة أداته في السير أو البوصلة التي تقوده في الضباب والظلمة)، معتبراً أن عدم اعتبار الرواية شكلاً من أشكال البحث المعرفي بالمعنى الواسع للكلمة، يقود غالباً إلى ممارسة روائية شكلانية ويكبح اتساعه، ونجد هذه الشكلانية لدى مجموعة من الروائيين العرب، كالطاهر وطار، وجمال الغيطاني، وعنده أن هذا الشكل من الزخارف اللغوية والمنمنمات جاء على حساب ما هو تاريخي واجتماعي، في مقابل لغة إيقاعية سكونية وماضوية، هي نفي فعلي للنثر الروائي المتحرر.

ولعل السؤال الأبرز والهاجس الرئيس الذي ساور د. عبد الرحمن منيف: كيف يستطيع الروائي العربي أن ينتج رواية عربية؟ بمعنى ربط الكتابة الروائية بالواقع التاريخي وبزمن التطور العربي في علاقته بالزمن الكوني، وأن الرواية العربية تتجه إلى قارئ له تاريخ ثقافي محدد، ويتعامل مع قيم جمالية وفنية محددة، والوصول إلى هذا القارئ أو تحقيق الإيصال معه يفترض معرفة موروثه الفني، وعالم القيم الفنية التي تعرف عليها، لنجد أن هم تأسيس رواية عربية، لدى منيف، هو في قلب الإبداع وصيروراته، وفي قلب العملية النقدية بوصفها فهم آليات التغيير، وبتعبير الناقد الراحل محمد دكروب: (همّ إبداعي وممارسة روائية بالفعل).

تمت قراءته 275 مرات