العدد:804
تاريخ:21/ 2/ 2018
 

لكل عصر قيمه الجديدة.. فهل هناك ما هو ثابت؟

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

 كان الرأي السائد بين كثير من المفكرين حتى عهد غير بعيد، هو وجود عدد من القيم المطلقة مثل قيم الحق والخير والجمال في كل المجتمعات الإنسانية، حتى وإن اختلفت مظاهر وأساليب التعبير عنها. ولكن أواخر القرن الماضي وأوائل القرن الحادي والعشرين طرأت بعض التعديلات على هذه النظرة، وخصوصاً في الدول الغربية والولايات المتحدة الأكثر تطوراً وتقدماً في مجال العلم والتكنولوجيا والقوى المنتجة.

لقد جرت إعادة النظر في القواعد والأسس التي كان يقوم عليها السلوك العام المبني على الأفكار النظرية المطلقة التي لم تستطع الصمود أمام الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يتعرض لها العالم.

إن كل شيء يتغير بسرعة، وليس ثمة مضرّة من أن تدرك الدول والأفراد هذه الحقيقة وتقبلها، بل وأن تشارك في تحقيق هذا التغيير ودفعه إلى الأمام، وتقبل المبادئ والقيم الجديدة التي يفرضها الواقع الحالي الذي تحكمه قوانين أخلاقية جديدة كثيراً ما تتعارض مع القيم التي درج عليها المجتمع الإنساني خلال عقود طويلة ماضية. والمثال البسيط والواضح هو التغيرات التي طرأت على القيم التي تتحكم بالأسرة ويقوم عليها النظام العائلي وما ترتب على هذه التغيرات من ظهور أشكال جديدة.

لقد اهتم كبار العلماء والمفكرين بهذه المشكلة، ونقدوا بشدة الأفكار التي كانت سائدة سابقاً، وركزوا في نقدهم على الأفكار التي كانت منتشرة آنذاك في عصر التنوير. كان فولتير يقول إنه لا توجد سوى أخلاقية واحدة مثلما لا توجد سوى هندسة واحدة، إلا أن هذا النوع من الأحكام المطلقة قد انتهى عهده، لأن مصادر الأخلاقيات متعددة، ولقد انعكس ذلك في ظهور مبدأ النسبية الثقافية للقيم وازدياد الشك حول المعنى المطلق للحق والخير والجمال.

ثم تعرض المفهوم خلال القرنين الماضيين لكثير من الجدل حول أبعاد القيم ودورها في المحافظة على كيان المجتمع، وقدرتها على الاستمرار في الوجود والتغيرات التي يمكن أن تطرأ عليها نتيجة للاحتكاك الثقافي والاستعارات الثقافية والمفارقات بين متطلباتها وبعض الأوضاع القائمة بالفعل.

لقد بلغت التغيرات التي شهدها العالم خلال القرن الماضي والربع الأول من القرن الحادي والعشرين حداً من التنوع والعمق يثير الدهشة والإعجاب الممزوجين بالخوف من النتائج التي قد تنجم عنها، وبخاصة حين يمس التغيير بعض الثوابت المتوارثة والراسخة رسوخاً شديداً في بنية المجتمع الإنساني، مثل نظام الزواج وأخلاقياته، والعلاقة بين الأجيال المتتالية، واختفاء ظاهرة الاحترام لكبار السن.

صحيح أن التغيير هو أحد مقومات الحياة ومظهر من مظاهر الحيوية والدينامية والريادة، وبداية لنشأة أوضاع جديدة قد تمثل كسراً وتحولاً في مسيرة المجتمع، وتعديلاً في خط هذه المسيرة، ولكن حدوث مثل هذه الانكسارات والتحولات والتعديلات في أنساق القيم يثير في العادة انزعاج المهتمين بمستقبل المجتمع الإنساني والعلاقات الإنسانية بوجه عام، لأنها تستعدي الشك في مصداقية القيم ودورها في توجيه سلوكيات الأفراد وعلاقاتهم بعضهم ببعض، ومدى تأثرها بالأوضاع السائدة في المجتمع، وقدرتها على الثبات والصمود والمقاومة في عالم يموج بالتغيرات السريعة والتقلبات المتلاحقة، وظهور النزاعات الفردية والتيارات الفكرية التي يرى فيها الكثيرون خروجاً عن المألوف وتهديداً للنظم الاجتماعية والأخلاقية القائمة، كما هو الحال بالنسبة لاتجاهات العولمة ونظريات ما بعد الحداثة ودعاوى النسوية وغيرها.

إن كل هذه التساؤلات قد استدعت عقد الكثير من الندوات والمؤتمرات وإجراء البحوث الميدانية والمسوح الاجتماعية لرصد الواقع الحالي واستشراف مستقبل النظرة إلى القيم التقليدية، ومدى الإيمان بفاعليتها وجدواها في توجيه الحياة العامة في المجتمع المعاصر السريع المتغير، ونوع القيم التي يحتمل ظهورها في المستقبل نتيجة واستجابة لهذه التغيرات.

إن أبرز النتائج التي خلصت إليها هذه المؤتمرات والندوات واللقاءات والمسوح الاجتماعية التي شملت جميع القارات قد تلخص في خمس فئات من القيم المحورية، وهي الحب والصدق والتسامح والمصداقية واحترام الحياة، مع الالتزام بمراعاة هذه القيم في تنشئة الأجيال التالية. بيد أن هذه الدراسات والمسوح المختلفة قد كشفت عن وجود مفارقات وتفاوتات جوهرية في آراء الأجيال الشابة حول نوع القيم التي يؤمنون بها، والتي تختلف في كثير من الأحيان عن القيم التقليدية القائمة، والتي تتمسك بها الأجيال الأكثر تقدماً في السن، مما يشير إلى وجود فجوة فكرية بين جيل الآباء وجيل الأبناء في هذا المجال، وأنه لم تعد هناك معايير ثابتة تعتبر بمنزلة قيم يمكن الرجوع إليها للحكم على العلاقات الاجتماعية أو السلوك الفردي، كما اختفى مفهوم القيم (المطلقة) من قاموس الأجيال الجديدة، ما يدعو إلى التساؤل عما إذا كانت هذه الأوضاع تسمح بقيام أنساق جديدة من القيم لها القدرة على الثبات والتأثير والمحافظة على التماسك الاجتماعية، وما نوع هذه القيم الجديدة وخصائصها ومصادرها ومنابعها، في عصر تسوده النزعات الفردية ويكاد لا يحفل بالتعرف على مقومات التراث الثقافي والأخلاقي، بل ويعتبر ذلك التراث عبئاً يجب التخلص منه لتحقيق التقدم الذي يستند إلى مبادئ العقلانية وإنجازات العلم الحديث.

لقد أدت التكنولوجيات الجديدة إلى نشوء علاقات جديدة بين البشر، وأسهمت بذلك في تغيير النظرة إلى القيم التي تحكم السلوك الاجتماعي، واقتضت نشوء قيم جديدة تراعي الاتجاهات والأفكار والعلاقات القائمة الآن، والتي تختلف في جوانب عديدة عما كان سائداً في الماضي غير البعيد. لقد غيرت هذه التكنولوجيات أساليب التفكير والطرق التي يتعرف بها المرء على ذاته وإدراك هويته، وتقدير معايير الحكم على تصرفاته، في عالم يعاني من كثير من مظاهر التفكك والتفسخ وانعدام التوازن واضمحلال دور عدد من النظم والمؤسسات الاجتماعية الأساسية، ووظيفتها، وبضمنها مؤسسة العائلة التي ظلت حتى وقت قريب الركيزة الأساسية التي يقوم عليها البناء الاجتماعي بأسره. وقد ساعد التقدم الهائل في وسائل وأساليب الاتصال، وبخاصة بعد انتشار الإنترنت، وما يترتب عليه من تدفق المعلومات من كل أنحاء العالم بغير توقف ودون قيود، على تأثر أنساق القيم التقليدية في كثير من المجتمعات على مستوى العالم بأفكار واتجاهات غريبة عن تراثها التقليدي، وانحازت الأجيال الجديدة بمعظمها إلى جانب التيارات الفكرية الحديثة التي أخذت تفرض هيمنتها على المناخ الثقافي العام، وهي تيارات تتميز بالجرأة والتمرد على الموروث التقليدي، وتتعارض في كثير من الأحيان مع الثوابت التاريخية والاجتماعية والأخلاقية والفكرية، وتتنكر لها على زعم أن الزمن تجاوزها مع بداية عهد جديد له اتجاهاته وأفكاره وتصوراته ومفاهيمه ورؤاه الخاصة التي يجب الالتزام بها ونبذ كل ما عداها.

يتمثل هذا التمرد بصورة جلية في اتجاهات ما بعد الحداثة التي شُغفت بها الأجيال الجديدة في الكثير من بلدان العالم، دون أن يأخذوا في الاعتبار في معظم الأحيان ماذا سيكون عليه الوضع في المستقبل إذا تنكر الجميع للماضي والحاضر، ورفضوا الخضوع للمعايير التي درج عليها المجتمع الإنساني بوجه عام، والتي لاتزال الأجيال الأكثر تقدماً في السن متمسكة بها حتى الآن بالفعل. والواقع أن هناك من يشبه ما بعد الحداثة بشاب متمرد وثائر على الواقع القائم الذي يحيط به من كل جانب، ولكنه يرفض الاعتراف به، ويعارض كل ما اصطلح عليه الناس، ويقدم الحجج والبراهين على زيف هذا الواقع، وعلى تهافت الأسلوب المتبع في تسيير الأمور، لكنه يعجز عن تقديم أية بدائل لما يرفضه ويتنكر له، ولذا يرى البعض أن خطاب ما بعد الحداثة يؤازر الاتجاهات العدمية والبراغماتية حين يدعي عدم وجود ما يسمى بالصدق أو (الحقيقة)، وأن لكل فرد الحق في تكوين حقيقة خاصة به هو وحده في ضوء علاقاته وتجربته الذاتية.

فما بعد الحداثة تعطي أهمية خاصة للعقلانية (الفردية) على اعتبار أن الفرد هو مصدر الفعل، والمستفيد من نتائج ذلك الفعل، ولذا نجد أن أحد أهم الدعاوى التي ينادي بها المجتمع الغربي المعاصر تدور حول ضرورة اعتبار أن الفرد هو المسؤول الوحيد عن أفعاله، وأنه عنصر فعال في تشكيل المستقبل، وأن ليس لأية قوة أخرى خارجية أن تتدخل في ذلك. إن المهم هو إعلاء شأن الفرد، مما قد يعني في آخر الأمر أن في استطاعة كل فرد إقامة وتشييد نسق للقيم خاص به هو وحده دون غيره من أعضاء المجتمع، وأنه من الأفضل أن يختار الفرد لنفسه الطريق الذي يسير فيه ويحدد بنفسه المبادئ التي يعتبرها قيماً توجه حياته ويستطيع أن يتعايش معها ويعيش بها.

قد يكون في ذلك كله إعلاء لشأن الفرد، والاعتراف بحقه في الاختيار، ولكن المشكلة التي تواجه الجميع هي: هل تصلح هذه النزعات الفردية في إقامة حياة اجتماعية متماسكة؟ وما نوع المجتمع الذي سوف تتجاذبه تلك النزعات؟ ومصالح من تخدم؟

تمت قراءته 197 مرات