العدد:804
تاريخ:21/ 2/ 2018
 

انعكاسات ثقافة التلقـين

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

 

 لن يكتمل النصر على التنظيمات العسكرية الإرهابية دون تفكيك منظومة القيم الثقافية المتوحشة التي تغلغلت، بفعل الدعاية المركّزة والمال السياسي، في ذهنية مختلف الطبقات الاجتماعية، ولم تقتصر على أوساط الجهل والفقر والتخلف ، فقد لازمت ظاهرة انحطاط الثقافة، انتشار العولمة الأمريكية كأعلى درجة في علاقات الهيمنة والتبعية، والتلقين هو أخطر سمات انحطاطها وفقدانها للسيادة بسبب غياب الفكر الجدلي النقدي، واستباحة الوعي بمختلف أشكال الخرق حين يستقبل المعرفة المطروحة كالسلع الجاهزة في السوق دون محاكمة، فيقتصر عمله على الترديد الببغائي، وهو ما أسهم في تمزيق البنى الاجتماعية وقلب المفاهيم وتغيير وجهة الصراع في المنطقة وفق الأجندة المرسومة في دوائر القرار الأمريكية  .

تبدّت مظاهر ثقافة التلقين في تصريحات ونقاشات دارت قبل سنوات الحرب على سورية، وخلالها، في موضوعات أساسية كالقضية الوطنية والأمن الاجتماعي، وقد اخترت مثالين على ذلك، الأول: تصريح لعبد الحميد حكيم (مدير مركز دراسات سعودي) في تعليقه على قرار ترامب الخاص بالقدس لقناة الحرة الأمريكية: (على العقل العربي أن يتحرر من الموروث الناصري، وموروث الإسلام السياسي بشقّيه الشيعي والسني، الذي غرس لمصالح سياسية بحتة ثقافة كراهية اليهود وإنكار حقهم التاريخي في المنطقة).

هذا التصريح نموذج مثالي للتلقين والتبعية والتضليل، فهو كخلاصة ونتيجة لا يستند إلى أية أسس علمية للبحث التاريخي حتى نعتبره رأياً قابلاً للنقاش، إنه اختصار سطحي للصراع العربي الصهيوني في حالة عاطفية منسوخة من أفكار سبق أن ابتدع شبيهاتها المفكر الصهيوني الفرنسي برنارد هنري ليفي في إحالة القضايا الكبرى إلى موضوعات حب وكراهية. فالمشكلة في نظر صاحب التصريح ليست الخرق الأمريكي للشرعية الدولية، بل عصاب عقلي تراثي مصدره الناصرية والإسلام السياسي، وهو يعبّر عن طريقة تفكير خليجية تابعة تستنسخ الخطاب الأمريكي علماً بأنها شكلت البيئة التاريخية للإسلام السياسي. فإذا استثنينا تجربة فصائل الإسلام السياسي المنتمية للمقاومة التي أدركت اتجاه البوصلة، فإن الفصائل الأخرى طالما أنجزت للكيان الصهيوني مهام عجز هو نفسه عن إنجازها بشكل مباشر مهما بلغ خطاب الكراهية الدعائي لديها من هيجان عقيم أجوف. أما الخلط العشوائي بين الإسلام السياسي والناصرية، وهي جزء من حركة التحرر الوطني ترتبط دوافعها بالقواعد الحقوقية الدولية لمناهضة الاستعمار، فهو تسفيه غير منطقي لتلك القواعد يعكس بلطجة واشنطن وحلفائها.

إن المقصود من خلطة مدير مركز الدراسات السعودي الذي فشلت بلاده، وهي من مخلفات العصور الوسطى، في تحقيق أدنى صفات الدولة الحديثة، وهو يفصح عن حق تاريخي لكيان عنصري استعماري مغتصب في المنطقة، هو تعزيز روح الهزيمة ومحاولة نقل التطبيع مع هذا الكيان من السرية إلى العلنية التي بدأها الأمير تركي الفيصل منذ عام 2010 في لقائه داني أيالون نائب وزير الخارجية الصهيوني، وإذكاء نار العداء للمقاومة. ولم يتوقف أمر تلك المحاولات المتصاعدة بوتيرة عالية منذ عدوان 2006 على لبنان، على ذلك، بل إن انعكاسات تغييب القضية الفلسطينية عن سلم الأولويات وإحلال القضايا الداخلية محلها هو أحد أهم أسباب بروز التناقضات الثانوية العرقية والطائفية والمذهبية واحتدامها بحقد فائق يدعو للدهشة عند أسرى البروبغاندا، كما في المثال الثاني، كصورة دقيقة عن ذلك الانعكاس العميق وخاصة في مجال انقلاب المفاهيم.

المثال لصاحبة الاسم المستعار السورية (ياسمينة الجبل) في نقاش مع الكاتب التقدمي السوري صالح العاقل، على موقع التواصل الاجتماعي، اعتبرت فيه العصابات الإرهابية هي (النظام السوري) الشريك في المؤامرة الدولية على سورية، الذي باع الوطن- حسب قولها- لمن وصفتهم بالفرس المجوسيين والروس المجرمين، ووصفت قائد المقاومة اللبنانية بالموظف الإيراني، واتهمت الجيش السوري وقادته بأنهم ذبّاحون أسوأ من داعش، واعتبرت حرب تشرين وحرب تموز 2006 تمثيليتين من خدع المقاومة، وأن عداء النظام للكيان الصهيوني هو عداء إعلامي، فلو أراد هذا الكيان ترحيله لفعل، لكنه لم يجد بديلاً يبيع وطنه ويقتل شعبه أفضل منه.

التزم الكاتب صالح العاقل آداب النقاش إلى أقصى ما يمكن محاولاً استيعاب (فهلوة) (الياسمينة الثائرة) وجموحها، مبيناً أن ثقافتها قائمة على أكاذيب الدعاية السياسية التي تبثها مصادر معادية لوطننا وشعبنا، وموضحاً أن أهدافاً صهيونية تكمن وراء إشعال الأخوان المسلمين ما سمي بالثورة المدعومة من الكيان الصهيوني بكل الأشكال الممكنة، وأن سورية هي التي منعت وأد القضية الفلسطينية ودعمت بلا حدود المقاومة رغم اختلال موازين القوى وتواطؤ النظام العربي الرسمي مع الكيان الصهيوني، وقدم وثائق دامغة لا تقبل الشك على إجاباته. لكن تناحة (الياسمينة) المستفحلة وعجزها عن الإجابة عن سؤاله ما إذا كانت تؤيد نظرية (الاستعمار خير من الاستبداد)، وعلى شاكلة الدارج عندما يعجز هؤلاء عن الإجابة عن المسائل الجوهرية التي تحشرهم في الزاوية، يعوّضون بإطلاق اتهامات كيدية اعتبرت منطق الكاتب صالح العاقل مرتبطاً بالشيوعية منتهية الصلاحية- على حد تعبيرها- وأنه تربية  البعث، فاضطرته لمصارحتها بحقيقتها، بأن السفاهة هي الجهل والخواء الوطني والأخلاقي، والتساؤل عن ماهية الأحمق الذي يمكنه التوافق مع رأي يعتبر جيش وطنه وحلفاءه في حربهم ضد الإرهاب التكفيري المتخفي بالثورة عصابات مأجورة.

التهجم على قوى المقاومة وحلفائها الذين شكلوا التحدي التاريخي الفعلي الأقوى للهيمنة الأمريكية هو تلبية مجانية للإرادة الأمريكية، وانصياع أعمى لها يصب في جهود تصفية القضية الفلسطينية حكماً سواء شاء أو لم يشأ مردّدو رواية (الياسمينة الثائرة) الذين كونت البروبغاندا وعيهم الجديد وهم كثر، بينهم من كانوا أساتذتي، وبينهم من كانوا أصدقاء مقربين، وبينهم من كانوا قدوة فكرية ومعرفية أصيبوا بعدوى التلقين إما حماقة وجهلاً، وإما تعصباً وإما تجارة يجمعهم هاجس التباهي الفارغ بمظهر من استوعب ثقافة العصر. والحقيقة أن الطابع المذهبي الذي اختلقته السعودية لتكوين طاقة شعبية لمحاصرة وعزل المقاومة ومهاجمتها من الداخل، متزامناً مع التحول من السرية إلى العلن في قضية التطبيع، هو جوهر ما سمي بصفقة القرن- حسب التسريبات الواردة في صحيفة التايمز البريطانية. وأكّدت ذلك تسريبات أذاعتها القناة العاشرة الصهيونية وتداولتها صحف إسرائيلية وأمريكية، اشتملت على تعليمات إلى الدبلوماسيين الإسرائيليين في كل أنحاء العالم بدعم ممارسات السعودية في تأجيج الخلافات والمواجهات السياسية في لبنان لمزيد من الضغط على إيران.

عندما كان الغموض يغلف تفاصيل ما يجري في الأشهر الأولى للأزمة السورية لدى القسم الأعظم من الناس، ربما كان مبرراً تقبل سماع دوي الحقد ورؤية صور مشوهة ومقلوبة في وعي من لم يتمكنوا من استيعاب المشهد بكليته ومن جوانبه المتعددة، ولكنه لم يعد مبرراً على الإطلاق مع كل انكشاف جديد للدور الخارجي المهول لحلف العدوان الإمبريالي الصهيوني الرجعي التركي والعربي، وخاصة في مجال التعاون المخابراتي لإدارة الجماعات الإرهابية الهمجية وما ارتكبته من مجازر وتدمير وما طرحته من شعارات و سعت إليه من أهداف وبثته من مشاهد سادية، إنه انحياز كامل إلى ذلك  الحلف، وخلق بؤر داخلية لسياسته وثقافته التمزيقية  أشد خطورة على مجتمعاتنا من مصدريها الأساسيين .

إن كل أمل بأن انكشاف ذلك الدور العدواني الخارجي في دعم الحراك سينفي عنه أي مضمون اجتماعي وأية أهداف مطلبية، وبالتالي سيتكفل بمراجعة المواقف وربما شعور من وقعوا في الفخ بالخجل من كونهم شكلوا وقودا لنار صراع الحضارات الذي صممه هانتنغتون- قد راح يتلاشى أمام عمق الإصابات البليغة التي تلقاها الوعي، فالعقل العربي لن يكون حراً ما دام عقلاً ملقناً منفعلاً تابعاً تحركه الغرائز.

تمت قراءته 291 مرات