العدد:795
تاريخ:13/ 12/ 2017
 

عامان على رحيل الرفيق باسم عبدو«ذهب الذين أحبهم»

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

 بين مغادر إلى الأبد، ومهاجر قد لا يعود، وفي سورية الصامدة، بقيت وحيداً، إلا من بضعة أصدقاء يعدّون على أصابع اليد، أحتمي بحبهم من برودة القادم من الأيام، ومن جفاف وقحط العلاقات المستبدة بنا في حمأة نشاطنا الثقافي المربك.

واحداً من أقرب الأصدقاء إليّ كان الرفيق الراحل المقيم باسم عبدو، الذي غادرنا دون أن يفرح ويبتهج بإعادة أجزاء من التراب السوري إلى حضن الوطن.

باسم عبدو المسكون بالهم الوطني، وبالقضية الاجتماعية، وبهموم الفقراء ومشاكل المظلومين، ومعاناة القابضين على الجمر، الذين يحملون في صدورهم قلوباً متوهجة، ورؤوسهم مرفوعة أبداً باتجاه الشمس، ينشدون مستقبلاً وضاء مشرقاً لجميع أبناء الوطن ولكل شركائهم في الإنسانية.

باسم عبدو، الوجه المتفائل المنسجم مع نفسه مع قيمه ومبادئه، المدافع الثابت عن دور المثقف في المجتمع، في تلاقٍ ومواءمة مع دور السياسي، مقصياً التعارض بينهما، مع كامل وعيه وإدراكه باختلاف الوسائل والغايات بين الثقافي والسياسي.

باسم عبدو.. أيها الصديق، كم كنا نحبك وأنت بيننا، واليوم تزداد حضوراً معنا، كلما اشتدت المصاعب وتكاثفت الغيوم وساءت العلاقات بين المعارف والأصدقاء وحملة الأقلام، بسبب تضخم الذات والشعور بالاستعلاء الذي كنت مدرسة وقدوة في مواجهتها بكل ما يمكن أن يمتلك كاتب أو سياسي من إمكانات التواضع والبعد عن الترفع على الآخرين.

إني أذكر جيداً كيف كنت تفرح كطفل استلم هدية يحبها، عندما تطالع خبراً عن نجاح كاتب أو تفوق شاعر أو حصول أحدهم على تقدير أو جائزة، كأنك أنت المكافأ أو الفائز أو الحاصل على الجائزة.. أية أثرة كانت فيك! وكم كان قلبك الذي توقف عن الخفقان وخانك في منتصف الطريق، يحمل من مودة ومحبة للأصدقاء والمعارف!

مازلت أذكر كيف دفعتني إلى كتابة زاوية في جريدة (النور)، وأخذت بيدي وشجعتني، ولم تقل لي يوماً كلمة إلا وفيها أكبر قدر من التحفيز والتشجيع على مواصلة الكتابة.. وكم كنت تغضب عندما أتكاسل وأتخلف عن كتابة الزاوية، معاتباً، وغاضباً (يا أخي حاجي حكي.. اكتب ما تقوله وهذا يكفي).

مهما امتلكنا من ثقة بالنفس، فسنبقى بحاجة إلى تشجيع وإلى كلمة ود ومحبة وتقدير، أنت الذي جاد علينا بها، ولم يبخل أبداً بتقديم الدعم المجلل بالمودة الصادقة والحماسة المتوقدة لما تقوم به من عمل حتى ولو كان متواضعاً.

كنت تخشى خدش مشاعرنا، وتتعامل معنا في أسرة جريدة (النور) كأخ وصديق ورفيق، أنت الذي دفعتني للعمل فيها، وقدمت كل ما بوسعك كي تنجز هذه المهمة التي رأيت فيها خدمة لي وللجريدة، فأرجو أن تكون مصيباً فيما فعلت، وأعدك أن أبقى قلماً وسلوكاً وفياً لما تعاهدنا عليه.. لن نغادر قلعتنا ما دامت طالما أنها ماتزال على قيد الحياة، مهما كانت الصعوبات التي تواجهها.

مازلنا نعمل وسنتابع مهمتنا في الجريدة وعلى المنابر وفي الندوات، لن نكلّ ولن نملّ، فمازالت الدرب طويلة.. صحيح أن جيشنا استطاع أن يلحق هزائم بداعش ويعيد محافظات بأكملها إلى الوطن، لكن يا أبا الشفيع، الداعشية وخطرها مازالا قائمين هنا.. وهناك.. أخطارها تحتاج إلى جهود جبارة في مجالي الفكر والثقافة، وهي المعركة الأطول والأعقد، والتي تحتاج إلى منهجية وبرامج مدروسة وعمل مؤسسات، ليتحقق طرد الظلامية ونبذ التعصب ونشر ثقافة الحوار والإقرار بحق الاختلاف والإيمان بأن طريق التعدد هو السبيل الوحيد لبناء وطن ينعم أبناؤه بالاستقرار والرخاء، في نسيج اجتماعي متماسك، في ظل دولة عميقة قوية سيدة، فلا مجال لحديث عن أحلام الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية إلا في ظل هذه الدولة التي كانت الحرب الظالمة من أجل إسقاطها.

أبو شفيع.. إننا على العهد أيها الصديق!

تمت قراءته 165 مرات