العدد:795
تاريخ:13/ 12/ 2017
 

أفضل احتفال هو متابعة تقاليدها الثورية

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

لقد لعبت ثورة أكتوبر الاشتراكية منذ قيامها حتى انهيارها دوراً مفصلياً على المستويات المحلية (دول الاتحاد السوفييتي ومنظومة الدول الاشتراكية) والعالمية في آسيا، وإفريقيا، وأمريكا اللاتينية خاصة. إن تقييم حدث تاريخي بحجم أكتوبر يتطلب من جميع المفكرين اليساريين أن ينظروا إلى هذه التجربة بإيجابياتها وسلبياتها، واستخلاص الدروس اللازمة من أجل النهوض اللاحق. نقول ذلك لأننا لاحظنا ان التقييم غالباً ما ينطلق إما من نظرة جامدة تحصر أسباب انهيارها بمؤامرة خارجية (كذا)، متناسيةً أو متغاضية عن العوامل الداخلية التي، باعتقادنا، كان لها الدور الأساس. وإما من نظرة عدمية تنظر إليها على أنها محصلة جملة أخطاء، بل يصل الأمر بالبعض إلى إنكار أيّ أثر إيجابي لها، إلى درجة التشكيك بمجمل النظرية الماركسية التي قامت على أساسها... مدّعين أن النظرية لم تعد تصلح، مع تبشيرهم بالليبرالية وأيقونة (الديمقراطية)، بغض النظر عن العوامل الاقتصادية /الطبقية والاجتماعية.

وفي الوقت ذاته برزت قوى وأحزاب تجابه التيارين، عبر إعادة قراءة الماركسية قراءة عصرية/ تجديدية تحاكي حاجات الناس اليومية وتبين للجماهير طريق الخلاص من الاستغلال.

 إن الوفاء لثورة أكتوبر يقتضي تقييمها عبر وضعها في الإطار التاريخي الصحيح: الأسباب التي ادت إلى اندلاعها، مسيرتها عبر أكثر من سبعة عقود، نجاحاتها /منجزاتها وإخفاقاتها. وهذا يتطلب طبعاً من جهة ألاف الصفحات، ومن جهة أخرى ليس هو مجال لقائنا.

سأحاول أن أتلمس عناوين عامة دون أن أدّعي الإحاطة الوافية. الهدف من وراء ذلك هو كما ذكرت الاستفادة من تلك التجربة الكبيرة من أجل النهوض اللاحق للشيوعيين وقوى اليسار كي يستعيدوا دورهم التاريخي، كما جاء في الشعار الذي يعقد اللقاء من أجله.

من بلد متخلف إلى غزو الفضاء

قامت ثورة أكتوبر نتيجة حاجة موضوعية وذاتية لروسيا القيصرية وتطورها اللاحق، وليس فقط تحقيقاً لطموحات ثوار حالمين بعالم خال من الحروب والفقر والمرض، وتحقيق نظريتهم في توزيع عادل للثروة. إن الأسباب الاجتماعية للثورة جاءت أساساً نتيجة قرون من الاضطهاد الذي مارسه النظام القيصري، والذي فجّره فشل نيقولا الثاني في الحرب العالمية الأولى، وبينما كان الفلاحون في الريف الزراعي قد تحرروا من العبودية في عام ،1861 إلا أنهم كان يدفعون للدولة مبالغ (إتاوات)، مما أثار استياء الفلاحين. تألف سكان روسيا بشكل رئيسي في ذلك الوقت من الفلاحين الفقراء، فقد كان 5,1% من السكان يملكون 25% من الأراضي. جاء في إحصائيات أجريت عام 1904 في سانت بطرسبرغ، (عاصمة روسيا القيصرية) أن معدل سكان الشقة الواحدة يبلغ 16 فرداً، بمعدل غرفة واحدة لكل 6 أفراد، وكل ذلك دون مياه جارية، إضافة إلى ارتفاع نسبة البطالة وتدني ظروف العمل. كانت ساعات العمل طويلة (عشية الحرب العالمية الأولى كان متوسط ساعات العمل 10 ساعة يومياً لمدة ستة أيام في الأسبوع؛ والكثير منهم كان يعمل 11-12 ساعة، إضافة إلى خطر دائم من الإصابة والوفاة، والظروف الصحية سيئة للغاية. تراجعت الأجور الحقيقية للعمال نحو 50 في المئة عما كانت عليه في عام 1913. ارتفعت ديون روسيا في تشرين الأول (أكتوبر) 1916 إلى 50 مليار روبل. وشكلت الديون المستحقة للحكومات الأجنبية أكثر من 11 مليار روبل. كما أن الأجور لم تكن كافية من أجل حياة تليق بالبشر.

بالمختصر كانت روسيا القيصرية تعاني من انتشار الأمية، أنهكتها الحروب بداية مع اليابان ثم الحرب العالمية الأولى، اضطهاد ملاك الأراضي وحياة الفلاحين البائسة... تلك هي باختصار شديد الخطوط العامة لروسيا عشية ثورة أكتوبر، بكلمات أخرى تلك كانت المقدمات الاقتصادية- الاجتماعية والسياسية التي مهدت لاندلاعها. كانت روسيا والشعب الروسي بحاجة إلى تغييرات جذرية في النظام السياسي وبنيته الاقتصادية والاجتماعية، وهذا ما أدركه لينين الذي قاد حزباً شيوعياً ثورياً وأطاح بالقيصرية معلناً بدء مرحلة جديدة ليس في تاريخ روسيا فحسب بل وفِي العالم. ليس صدفة ان تكون أول مراسيم الثورة مرسوم السلم، وتبعه مباشرة مرسوم الأرض.

الحرب الأهلية

ما إن انتصرت الثورة وبدأت تطبيق برنامجها السياسي، الاقتصادي والاجتماعي، حتى اجتمعت القوى المضادة لها داخلياً وخارجياً التي تضررت مصالحها، وبدأت الحرب الأهلية.

لم تكن الحرب بين البلاشفة والروس البيض فقط، بل كانت فرصة لتدخل العديد من القوى الخارجية، فقد شنت جيوش أربعة عشر بلداً في مقدمتها بريطانيا، فرنسا، الولايات المتحدة الأمريكية، ألمانيا وأستراليا بالتعاون مع القوى المناوئة للثورة في الداخل حرباً لإجهاض الثورة استمرت ثلاث سنوات (1918-1921) كانت نتائج الحرب الأهلية مدمرة، إذ فقدت البلاد خلالها حوالي 000,000,2 من شعبها كما دمر الاقتصاد الروسي تماماً، ودمرت المصانع والجسور، ونهبت الماشية والمواد الخام، والمناجم اجتاحتها الفيضانات، وتلفت الآلات. انخفضت قيمة الإنتاج الصناعي إلى 7/ 1 قيمتها عام 1913.

تشير التقديرات إلى أن مجموع الناتج من المناجم والمصانع في عام 1921 قد انخفض إلى 20 % من مستوى ما قبل الحرب العالمية، والعديد من الفروع الاقتصادية شهدت انخفاضاً بشكل جذري. على سبيل المثال، انخفض إنتاج القطن إلى 5 %، والحديد إلى 2% من مستويات ما قبل الحرب.

بعد انتصار الجيش الأحمر في الحرب الأهلية بدأت إعادة إعمار البلاد: حملات محو الأمية عبر التعليم المجاني للجميع، إنهاض الزراعة والصناعة، تقوية الجيش الأحمر...الخ استمرت مرحلة البناء والنهوض الشامل حتى بدء الحرب العالمية الثانية. فقد الاتحاد السوفييتي الوليد نسبياً خلال الحرب العالمية الثانية أكثر من عشرين مليون إنسان، وخسائر فادحة في البنى التحتية والزراعة. رغم حجم الخسائر المادية والبشرية أبلى الجيش الأحمر بلاءً كبيراً وبطولات ساهمت في دحر الفاشية في عقر دارها، وكان له الدور الأبرز في خلاص أوربا والعالم من الفاشية الهتلرية، وارتفع العلم الأحمر فوق الرايخستاخ معلنا الهزيمة الكاملة للهتلرية.

 واجه الشعب السوفييتي مرحلة ما بعد الحرب بتصميم أكبر على متابعة أهداف ثورة أكتوبر في إنهاض اقتصاد البلاد وإعادة تكوين المجتمع. تحول الاتحاد السوفييتي إلى ورشة عمل ضخمة في البناء والتصنيع. قضى على الأمية،...

بكلمة، نقلت ثورة أكتوبر البلد من أمي أو شبه أمي إلى أول بلد يغزو الفضاء، أول بلد يرسل امرأة للفضاء ويغزو القمر. بعد الحرب برز توازن عالمي جديد بقوى جديدة: المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفييتي، والمعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة. لقد انعكس هذا التوازن العالمي الجديد سلباً وإيجاباً ليس فقط على أوربا بل والعالم أجمع. فخلال فترة ما سمي بالحرب الباردة حصلت العديد من بلدان آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية على استقلالها السياسي. ووجدت الأحزاب والحركات الشيوعية واليسارية ظهيراً كبيراً في نضالها من أجل إنجاز الاستقلال السياسي والاقتصادي. ساهم الاتحاد السوفييتي والبلدان الاشتراكية الأخرى في تقديم الدعم العسكري والاقتصادي والسياسي لدول العالم الثالث خاصة عبر بناء السدود، المصانع، الخطوط الحديدية إضافة إلى تعزيز قدراتها الدفاعية، وفِي تدريس الكوادر العلمية مجاناً. استمر هذا الصعود إلى أواسط السبعينيات، عندما بدأت بوادر الترهل والانهيار. بالمقابل حصلت حروب ومواجهات ساخنة وباردة بين المعسكرين في أكثر من منطقة من العالم.

الانهيار!

 انهار الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي بسرعة غير متوقعة أذهلت العديد من المتابعين. وانهار معه التوازن الدولي وتحول إلى سيطرة قطب واحد، ومعه انهارت احلام ملايين البشر بعالم دون اضطهاد. وضع هذا الانهيار الحركة الشيوعية وجميع قوى اليسار في مأزق فكري وإيديولوجي وتنظيمي، إذ غدت بلا ظهير. انهيار دفع البعض إلى الخجل من اسمه وتاريخه معتقداً أن المشكلة في الاسم، والبعض الآخر إلى التمسك الأعمى بالتجربة وكأن شيئاً لم يحصل... وهناك، وهم باعتقادي قلة، حاولت وتحاول دراسة أسباب الانهيار دون التخلي عن الأساس النظري- الإيديولوجي (الماركسي، أو الماركسي- اللينيني) بهدف متابعة النضال.

 لماذا حصل الانهيار؟

لا أعتقد أن أحداً حتى الآن يملك الإجابة كاملة. هناك اجتهادات ومحاولات جدية من مناضلين ومفكرين في هذا الاتجاه، ولكن لا يمكن لأحد الادعاء بمعرفة الأسباب كلها.

من جهتي أعتقد أن العوامل الداخلية هي التي قدمت الأدوات والأرضية للعوامل الخارجية كي يحدث الانهيار بالشكل الذي حدث. العوامل الداخلية متشعبة، أهمها: قراءة قاصرة وتفسير إرادوي للنظرية من قبل الأحزاب الحاكمة (أليس من المستغرب مثلاً أن لا ينظر من يحكم باسم الماركسية، التي أحد أهم قوانينها الديالكتيك إلى أن حاجات الناس متنامية ؟!)، وضع تعارض مصطنع بين الماركسية والديموقراطية، تفشي البيروقراطية- الفساد في أجهزة الحزب الحاكم والدولة، اغتراب الناس عن أحزاب تدعي تمثيلها، سيطرة الأجهزة الحزبية على مفاصل الدولة بشكل قسري، إخضاع النظرية لمصالح الحزب عوضاً عن إخضاع الحزب للنظرية، الجمود والترهل الذي أصاب جميع مفاصل المجتمع.

أما العوامل الخارجية للانهيار فقد تجلت في تقديم مختلف أشكال المساعدات للخارج (دولاً وحركات وأحزاباً) على حساب رفاهية الشعب في الداخل، سباق التسلّح، المؤامرات الخارجية عبر مختلف أشكال التحريض والحصار، لوأد تجربة تشكل خطراً على النظام الإمبريالي القائم على الاستغلال والحروب، الصراعات والانشقاقات الفكرية والإيديولوجية التي وقعت بين بلدان وأحزاب المعسكر الواحد والتي أدت إلى إلحاق الضرر بها كلها.

إن مجمل ما ذكرناه حول ثورة أكتوبر الاشتراكية عشية يوبيلها المئوي ليس الهدف منه القيام بطقس احتفالي، إنما دراسة تلك التجربة التي طبعت القرن العشرين بطابعها، بإيجابياتها وسلبياتها، من أجل أن تقوم الأحزاب والقوى الشيوعية واليسارية باستخلاص الدروس كي تساهم في مواجهة المد اليميني الفاشي والتطرف الديني الذي يجتاح العالم. تبدو هذه المهمة أكثر إلحاحاً في منطقتنا التي تعاني منذ سنوات من نتائج هذا المد ملحقا دماراً واسعاً في البشر والحجر، كما أدى الى تنامي القوى الدينية الفاشية المتطرفة وإلى محاولات تفتيت مجتمعاتنا على أسس دينية- طائفية، وإثنية، مستفيدة من الفساد والاستبداد الذي تعاني منه شعوب المنطقة!

 لابد، عشية الذكرى المئوية لثورة أكتوبر الاشتراكية التي ألهمت عقول ملايين البشر وقلوبهم، الثورة التي ساهمت مساهمة فعالة في دحر الفاشية الهتلرية والانتصار عليها، الثورة التي كان لها الفضل في استقلال العديد من بلدان العالم وقدمت لها مساعدات جمة، الثورة التي خرجت آلاف الكوادر العلمية في العالم الثالث خصوصاً و... و... و... لابد من ان نحيّي روادها وننحني أمام شهدائها.

إن أفضل احتفال بها هو متابعة تقاليدها الثورية، عدم تصويرها على أنها خطأ تاريخي، والنظر إلى سلبياتها فقط.

 عاشت الذكرى المئوية لثورة أكتوبر! 

تمت قراءته 359 مرات