العدد:787
تاريخ:18/ 10/ 2017
 

الوعي الطبقي بين المسار التاريخي ومتاهة سلامة كيلة

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

انتهى النقاش مع شاب يساري معارض في بداية تظاهرات اللاذقية 2011 بصدمته من سؤالي عن إمكانيات قيام ثورة، ومصيرها من دون الوعي الطبقي للجماهير؟ مما اضطره لمراجعة أحد قياديي التنسيقيات، فعاد بعد أيام مسلحاً بالجواب بأن مفهوم الثورة تغير كثيراً عن أيام ماركس ولينين، وأن التطور يقتضي استيعاب هذا التغيير وعدم التوقف عند مفاهيم ماضوية.

لم يكن ذلك جواباً عن الجدلية بين الوعي الطبقي والتغيير الثوري، إنما هو تحايل على شكل جرعة منشطة لحماسة الشاب وانفعالاته، كنت قد سمعت نسخاً منها دون إيضاح تفاصيل ماهية التغيير المفاهيمي المقصود، لكنني تبينته من خلال تعريف مبسط  إلى حد السذاجة للثورة، تضمّنه بيان حزب كردي معارض في اللاذقية، اعتبر الثورة (نزول الجماهير إلى الشارع للتعبير عن غضبها ورفضها للنظام الذي يحكمها). وهو تعريف يبرر الغضب اللاواعي للانفجار الجماهيري، يخلو من تحديد ضرورة الوعي الطبقي للثورة، ومفتوح على كل الاحتمالات وبضمنها لغة التلاعب.

خطورة هذا التغيير، أن مهندسه هو الأمريكي الصهيوني (جين شارب) الأب الروحي للثورات المخملية، وأكمل عمله صمويل هانتنغتون بأطروحة صدام الحضارات التي كان هدفها الأساسي إزالة مفهوم الصراع الطبقي من وعي الطبقات المضطهدة وتغيير وجهة انفعال الأجيال الشابة، لتفريغ احتقاناتها في المجرى الرجعي الذي يصب في مصلحة قراصنة رأس المال العالمي، ويبعد عنهم  إلى أجل غير محدد شبح الثورة الاشتراكية في مركز الحضارة، أما الأطراف المبتلاة بداء التخلف المزمن والتلقين والقمع فمن السهولة بمكان إدارة أجيالها الشابة وتجنيدها في تنفيذ المشاريع المخططة لبلدانها، بمقدمة يسجلها محترفون محليون في الفكر لنفي حقيقة المؤامرة من ذهنية هذه الأجيال والسخرية من (خشبية) حواملها.

ضمن هذه الوضعية قامت احتجاجات 2011 التي لا شك في محتواها الطبقي بالتحليل المادي الجدلي والتاريخي لعاملها الداخلي، كنتيجة موضوعية لغياب الدور الرعائي للدولة وانفصال مصالحها عن مصالح الشعب، وتمركز الثروة بأيدي قليلة مقابل إفقار الغالبية من أبناء المجتمع السوري، وهي العوامل التي سهلت الخرق الخارجي للبنية الاجتماعية الداخلية، بعد حقن وعي الجماهير بفيض من التحريض المكرس لصراع الحضارات بشقه السني الشيعي، عبر وسائل الاتصال، ليسخر المحتوى الطبقي ذاته في بلورة هذا الصراع الجديد المفتعل الذي لم يكن ليحدث لولا إعطاب الدولة دور الأحزاب الممثلة الإيديولوجية للطبقة الفقيرة، وإقصائها عن محيطها الحيوي الذي هو إقصاء لدورها في زرع الوعي الطبقي في الرغبة غير الواعية لتلك الطبقة.

هذه الحقيقة أيضاً حاولت بعض النخب المثقفة المحلية التلاعب بها، في إطار تغطيتها للتبدل الفكري الرجعي في الوعي، بدوافعها المتنوعة الممتدة من الرشوة المالية الخليجية، إلى ردود الأفعال الثأرية، إلى الطبيعة الانهزامية أمام ثقافة القوة، إلى الانتهازية ومسايرة الموضة... الخ.

المفكر الفلسطيني (سلامة كيلة) مثال من البرج الإعلامي للعميل (عزمي بشارة)، هاجم الفصائل الشيوعية السورية التي لم تتعولم أمريكياً، ولم تتلقن تعليمات (جين شارب) ولم تنجرّ وراء مغامرة 2011 الدموية المحكومة بالفشل، ولم تضحِّ بالوطن ولم تغامر بالشعب السوري، ولم تنخرط في تضليله وإذكاء نار انفعالاته، بنسبه غياب الوعي الطبقي للجماهير  إلى عجز هذه الفصائل، في كيدية صبيانية وتجاهل متعمد للعامل الموضوعي، وتمجيد مصطنع لعفوية الجماهير، حاول بناءه على مقالي ماركس الشهيرين: (النضال الطبقي في فرنسا)، و (الثامن عشر من برومير لويس بونابرت)، وقد فصلهما على مقاس رغباته، فالدرس الذي قدمه ماركس للمستقبل لا يتعلق بعفوية الجماهير، بل بضرورة تنظيمها وقيادة حركتها وتعريفها بالمغزى الثوري لنضالها، وكيفية الوصول  إلى تحقيق مصالحها، وقد عبر عن النهاية المحتومة للعفوية بالكلمات التالية: (إن شعباً بأكمله كان يتصور أنه عن طريق الثورة قد سرع تطوره، يجد نفسه فجأة يرجع القهقرى  إلى عصر انقرض/ المختارات ج 1ص 154)، وهو الدرس الهام الذي كان على النخب المضللة أن تستوعبه قبل التضحية بالناس والبلد.

فهذه النهاية الخائبة للثورة العمالية في باريس 1848 تكررت وللأسباب نفسها في الثورة الطلابية 1968، بينما كانت المفارقة أن أهم أسباب نجاح ثورة البلاشفة 1917 على الرغم من قيامها خارج المنطق الماركسي لبيئة تطور القوى العاملة، هو الوعي الطبقي الذي زرعته السوفييتات في أذهان العمال والفلاحين والجنود.

لا شك أن قضية تطور القوى العاملة قد تركت آثارها بعيدة المدى، لكن الوعي الطبقي بمعنى أن تعي الطبقة المسحوقة نفسها، كطبقة، والوعي الطبقي كضرورة أساسية من ضرورات قيام الثورة ونجاحها، هي حقائق علمية مفتاحية لا يمكن لمفكر ماركسي تجاهلها، وإلا فالشك في ماركسيته قائم لا محالة، لأن بديل وعي الطبقة لذاتها كطبقة هو الوعي الرجعي العرقي والطائفي والمذهبي، الذي نجح تلامذة جين شارب في بناء مفهوم الثورة عليه لدى أجيال من الشباب، فقدت اهتمامها بالسياسة، وثقتها بالتنظيم الحزبي الممثل لتطلعاتها.

هنا لعب سلامة كيلة وكل المثقفين الذين ادعوا وقوفهم  إلى جانب الشعب وكانوا يستغبونه، لعبته التي جمع فيها بين شعائر تقديس العفوية، واتهام الفصائل الشيوعية السورية بعدم القيام بدورها النضالي لخلق الوعي الطبقي، ولكن بطريقة لا يتوقعها قارئ عادي للفكر من مفكر بمستوى سلامة كيلة ميز نفسه بمكانة متعالية على الحزب الذي استضافه في ندوة الثقافة والسياسة عام 2008، ليسمعه ما يشبه التوبيخ بأن مشكلة الحركة الشيوعية كمنت في أنها افتقدت للوعي الماركسي، وأن الأحزاب الماركسية لم تنتج الفكر بل اعتمدت على السليقة والحدس والحس السياسي..الخ.

حسناً، كيف يطالب سلامة كيلة إذاً، حزباً افتقد، بحسب وجهة نظره، للوعي الماركسي، بأن يخلق الوعي الطبقي عند الجماهير؟ ولماذا لم يقم من يعتبر نفسه حائزاً على الوعي الماركسي بملء الفراغ وأداء تلك المهمة وهو يراقب انزلاق الشارع نحو هاوية العنف الجهادي؟ وأخيراً والأهم ما هي الإمكانية الواقعية لذلك؟

الإمكانية طرحها (سلامة كيلة) على شكل سيناريو هوليودي أقرب  إلى (الأكشن كوميديا)، وليس للغة الفكر الماركسي، فقال: (لكي تستطيع الجماهير تحقيق أهدافها الثورية وتطوير انتفاضتها من عفوية مؤقتة، إلى ثورة شاملة، من الضروري السؤال عن دور القوى الثورية، الأحزاب المعبرة عن مطامح هذه الجماهير، (فالجماهير حسب السيناريو تندفع لحظة الانفجار عفوياً بالوعي الرجعي البديل، يدب حماس الأحزاب الثورية فتلحق بها من ورائها وبقدرة قادر تعرفها على حقيقتها، كطبقة ثورية تتملكها قوة النظرية المادية، فينحل تشنج روحها الرجعية وتعود التناقضات الأساسية الطبقية لتنفي التناقضات الثانوية، التي كونتها في وعيها العولمة المتوحشة، فتعزل هذه الجماهير مشايخ الوهابية المعينين في قيادة الثورة، وربما لا يستغرق الأمر أكثر من عشرة أيام سورية ليهتز العالم، ويصبح سلامة كيلة لينين القرن الحادي والعشرين.

لم يفصل بين الواقعي والمتخيل، فتبديل الوضع في مجتمع ما يكمن في الظروف التاريخية الموضوعية للحياة المادية لهذا المجتمع، فإذا كنا ماديين ديالكتيكيين حقاً نؤمن بالوعي كانعكاس للعالم المادي، وبالإحساسات كأساس تقوم عليه جميع ظواهر الوعي، فبإمكاننا القول بكل ثقة إن أية قوة فكرية وسياسية في العالم لا تستطيع تحقيق ما يطالب به (سلامة كيلة) في هذا الظرف التاريخي المعين، وفي بلد يعاني من التخلف العميق لقوى الإنتاج، ولمستوى تطور البنى الاجتماعية، ومحاولته خلق تشابه بين أحداث تاريخية لا يمكن التشابه بينها، تنطوي على ميكانيكية قاصرة في التفكير، وهو ما يجد تفسيره في الروح الثأرية لتنظيره الجديد لما سمي بالثورة، المقترن بالممارسة السياسية المتواطئة مع المشروع الإمبريالي والمتوافقة مع مهام الموساد، من خلال محاولته تلبية الإيعاز القطري بحشد عشرات آلاف الفلسطينيين في الأردن في كيان سياسي معارض للدولة السورية، التي لم يبق في مواجهة الكيان الصهيوني غيرها على الساحة.

تطرق مهدي عامل في مقدماته النظرية قبل حوالي 45 عاماً للتسطيح في مفهوم الثورة عند من وصفهم بالمغامرين من صغار المثقفين قائلاً: إن الثورة عند هؤلاء تبدو وكأنها مهمة آنية مطروحة في كل لحظة، بمعزل عن الشروط التاريخية لتحقيقها، وذلك يعود إلى عدم تمييزهم بين مختلف مستويات تطور البنية الاجتماعية، وبالتالي عجزهم عن فهم حقيقة الصراع الطبقي ورؤيتهم القاصرة له.

إن خلق الوعي الطبقي للجماهير هي عملية خلق من يصنعون التاريخ، لكنها عملية تراكمية لها سيرورتها التاريخية، فهي مهمة ذات جبروت خارق في مواجهة صراع الحضارات الذي مثله مثل أية ظاهرة أخرى يحمل ضده بداخله، ونحن كنا وما زلنا نحرض على نضوج هذا الضد، حين كان الآخرون يحترقون في لهيب ذلك الصراع.

- تعلمنا من ثورة أكتوبر الاشتراكية درساً كبيراً حول دور الوعي الطبقي في التغيير الثوري.

 

تمت قراءته 166 مرات