العدد:783
تاريخ: 20/ 9/ 2017
 

صناعة العقول!!!

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

هل العقل هو عبارة عن مصنع تدور فيه بعض العمليات الفكرية؟!! وهل المواد التي يحتاجها هذا المصنع لتنمية عملياته هي مصنوعة محلياً أم يتم استيرادها من الخارج؟!! وإذا كان يتم استيرادها من الخارج، كيف يتم ذلك؟!! وما هي العوامل المؤثرة بهذه الصناعة؟!!

لماذا تتأثر مجموعة من الأطفال أو الشبيبة بمنتج إعلاني وتسرع إلى شرائه دون آخر؟!! لماذا تتوجه الشبيبة إلى اختيار نوع محدد من الدراسة، دون أن تجدّ باحثة عن اكتشاف ما يحتاجه المجتمع وتسعى لتعميق معرفتها ومهارتها فيه كي تكون أداة بنّاءة في المجتمع؟!! ما هي الأدوات المؤثرة في مثل هذه الصناعة، هل هو الإعلام، أم العولمة، أم رواسب المجتمع الرأسمالي الذي يجتاح العالم ويعمل على تغيب مبادئ وقيم المجتمع الاشتراكي؟!!

ما هو الغول الذي يجتاح العالم وله القدرة على غسل العقول؟!!

إن الغول الذي يسيطر على العالم بالقوة وينخر بالمجتمعات هو الامبريالية التي دخلت إلى جسم المجتمع الرأسمالي وعاثت فساداً فيه وأبعدته عن القيم التي تأسس عليها وتعمل على إضعاف قيم المجتمعات الاشتراكية وإلغاء هويتها من خلال تعزيز الرجعية السياسية التي تواكب الرجعية في ميدان الايديولوجية، لذلك نرى مثل هذا الغول يقف موقفاً عنيداً وصلباً في وجه قيم العدالة والحق والحرية كي يتمكن من خلق مجتمعات تتعاظم فيها الرجعية السياسية والروحية وبالتالي خلق مجتمعات مريضة أمراضاً داخلية يصعب معالجتها.

ولقد بات من المعروف بأن الامبريالية والبرجوازية الاحتكارية تملك أموالاً طائلة تستثمرها في غسل عقول الناس دون كلل أو ملل، فهي تحاول أن تُبين للعالم بأنها مهتمة بمصالح الشعوب وتسعى جاهدةً لحل مشاكلها ولكنّها في جوهر صناعتها هي تعمل على تغيب الطبقة العاملة وطبقة الفلاحين، بإضعاف دور النقابات والمنظمات الشعبية والأهلية، وذلك من خلال شبكة البزنس الكبيرة التي تنشأها بشكل عالمي لاستمالة الناس بأسلوب إيديولوجي، فبواسطة آلاف الجرائد والمجلات ومحطات الإذاعة والتلفزيون التي تشن على عدد الدقائق هجوماً قوياً يترك أثراً عميقاً في وعي الناس ويدوس على مُثل الحرية والمساواة والعدالة ويعمل على تغيّب عادات الشعوب ومحو هويتها.

* إن قصة القط أوليفر؛ الفلم الكرتوني الذي أنتجته شركة والت ديزيني وغزا بقوة المحطات الفضائية وكان له أثر كبير في نفوس الأطفال والشبيبة خير مثال على ذلك، حيث يحكي الفلم عن القط أوليفر الذي يتم عرضه للبيع مع مجموعة كبيرة من القطط، تُباع جميع القطط إلا هو فيحاول جاهداً التودد إلى كلّ مشتر ولكن دون فائدة، وفي نهاية اليوم ييأس البائع فيتركه وحيداً في شوارع المدينة ليجد طريقه في الحياة، ويبدأ في التودد إلى المارة ولكن دون فائدة ترجى ويحاول أن يجمع الطعام ولكن أيضاً دون جدوى، فيلتقي صدفة بكلب متشرد يبدأ بتعليمه مبادئ وسلوكيات التشرد وعبثيته واستهتاره، ومبادئ العيش في المدينة، فيتفق معه على سرقة قطعة من اللحم من بائع متجول، وينجحان معاً بذلك، ولكن الكلب يستأثر بقطعة اللحم له وحده دون أن يشارك القط بها، كي يعلّمه بأنه يجب ألا يثق بأحد، ولكن القط يبقى مصراً في الحصول على حصته، فيقوده ذلك إلى البحث في دهاليز المدينة وأوكارها حيث يعيش المشردون والقتلة الذين يبدؤون بتعليمه أسلوب الحياة في المدينة ويبدأ بالتدريج بالتخلي عن مفاهيمه وقيمه التي تربى عليها ويبدأ بانتهاج أسلوب المتشرد والفاجر كي يتمكن من الحفاظ على بقائه ووجوده.

إن هذه القصة هي أكبر دليل على الأسلوب الذي ينهجه المجتمع الرأسمالي- الامبريالي للقضاء على مثل وقيم المجتمعات والشعوب الأخرى، من خلال الصناعة التي يروج لها وهي صناعة غسل العقول، حيث نجد بأن القط أوليفر أصبح همه فقط كيف يجد طعامه ولم يعتد مهتماً بالطريقة التي يحصل فيها على قوته اليومي ولم يعد مهتماً بالأحداث التي تجري حوله، ولم يعد مهتماً بتطوير ذاته والاهتمام بها.

ما هو الحل وكيف نواجه مثل هذا الغول؟!!

بالدرجة الأولى يجب أن نعمل على زيادة الوعي خاصة لدى الأطفال والناشئة وتعريفهم على تراثهم وتاريخهم وحضارتهم كي يهتموا بها ويبذلوا جهدهم في المحافظة عليها من الضياع.

ثانياً: تعريفهم بالحاجات الأساسية والضرورية التي يحتاجها المجتمع والبيئة المحلية التي يعيشون فيها كي يتمكنوا من اختيار الدراسة أو المهنة المناسبة والقادرة على تطوير أهالي تلك المنطقة.

ثالثاً: تقوية الإعلام المحلي بأسلوب يُبعد المشاهد عن الاهتمام بالمحطات الغربية أو غير المحلية واستثمار الأموال المحلية لصناعة أفلام ومجلات وإعلانات محلية، تعمل على تذكير الناس بتاريخنا وعاداتنا وقيمنا الحقيقية، والتخفيف من عرض المشاكل والأمراض التي تفشت في المجتمع نتيجة الأزمة والعمل على عرض نماذج إيجابية لعبت دور البطولة وانتصرت بفضل قيمها ومبادئها.

رابعاً: تطوير المناهج الوطنية وذلك من خلال إدخال العمل وجعله محور الحركة التعليمية، فيصبح الطفل والشاب مجبراً على تجسيد المعارف التي اكتسبها وتحويلها إلى مهارات وبالتالي البحث عن أفضل الطرق لإيجاد حلول علمية - عملية تناسب الوضع الذي هو فيه.

خامساً: إنتاج ألعاب وكتابة قصص محلية، وإبداع رسوم وشخصيات تتعلق بتاريخنا وتراثنا وقيمنا، تستطيع إبعاد الطفل عن التأثر بشخصيات كرتونية أجنبية.

* من الصعب جداً مواجهة غول كبير مثل الرأسمالية أو الامبريالية التي تدفع أموالاً طائلة لاستمالة عقول الشبيبة والأطفال ولكن يمكننا العمل على نشر ثقافتنا وإرثنا الثقافي بأسلوب جذاب وحديث، ونكون مرينين في عرض أفكارنا وآرائنا كي نستميل أولادنا إلى الحوار وعرض أفكارهم وطموحاتهم بحرية ودون خوف، والعمل على زرع الثقة بنفوسهم ليحبوا وطنهم ومجتمعهم وبيئتهم لكي يبقوا فيها وإبعادهم عن التفكير بالهجرة إلى الخارج لأنهم رأس المال الأساسي والضروري الذي تحتاجه سورية في عملية البناء الكبيرة التي هي في صددها الآن.

تمت قراءته 165 مرات