العدد:777
تاريخ: 26/ تموز/ 2017
 

سورية المستقبل... إطلاق الفكر وحرية التعبير

قييم هذا الموضوع
(2 أصوات)

هذا ما يحدثُ فعلاً، ولا أبالغُ في قولي، أن يجري توقيف إنسان على أي معبرٍ أو منفذٍ لأنه يحمل كتاباً أو مجلةً أو أي منشور ثقافي، قد يخالف التوجهات العامة لرأي السلطات، أو لأن التقارير الأمنية تقول بأنه تحدّثَ يوماً ما بحديث أو بمقال يخالف هذه التوجهات، فيجري اعتقاله وسجنه والتحقيق العنيف معه، وقد يتعرض لاتهامات كثيرة ربما كان أولها الهرطقة وآخرها نشر أفكار تضعف الشعور الوطني والقومي للدولة، وهنا قد يتَّهم بالخيانة العظمى.

وعلى المعبر أو المنفذ نفسه، يمرُّ بسهولة مهربٌ، يكون ضمن بضاعته السلاح الحربي، والقنابل والمتفجرات والمخدِّرات، لأنه يعرف مفتاح شراء النفوس، ويعرف الثمن الذي سيدفعه، ويعرف لمن سيدفعه، فيمرُّ مودّعاً بحفاوة وتكريم،
أما ذلك الشخص المسكين حامل الفكر والكتاب، فلا يعرفُ كيف يساوم على الثمن، وأصلاً ليس في نيته أو ثقافته أن يساوم، فيجد نفسه في أقبية التحقيق.
هذا ما يحدث فعلاً، والشهود كُثُر، هذا الحال هو أكبر وأهمُّ حالات الفساد والخراب التي تحدث في الدولة، والذي يؤدي إلى خراب الدولة والمجتمع، وبالتالي يؤدي حتماً إلى خراب السلطة نفسها التي تمارسه دون تمييز بين تصرفات البعض التي تهدم البناء، والفكر الصحيح الذي حتماً ستكون مهمته ترميم البناء وليس الهدم، كم يظنون أو كما يتهمونه.

هو الوسواس الذي يؤرق المفكر الأديب، أو الفنان أو العامل في أي حقل من حقول الثقافة، يعيش لحظات الخوف من التعرض للإهانة، بسبب فكرةٍ أراد منها الإشارة إلى مواطن الفساد، فتصير مجال اتهام له بمناوأة السلطات، بينما هو لا يريد منها إلا التصحيح لمسار فاسد يود أن يعمل على الإشارة إليه لتصحيحه.

في سورية المستقبل، سورية الجديدة، نطمحُ أن تقتنع جميع السلطات بأن إطلاق الأفكار الصحيحة، والتعبير بحرية، وإن كانت تخالف توجهاتها، هي الطريق الصحيح الذي يؤدي إلى التخطيط السليم والنافع والجيد، للنهوض بهذا البلد من مشاكله ومن العوائق التي يتعرض لها بين الحين والآخر،
حرية التعبير والإشارة إلى مواطن الفساد ومواطن الضعف الإداري والسياسي والاقتصادي وفي كل المجالات الحيوية التي تهم الناس، هي الطريق الصحيح الذي يؤدي إلى التخطيط الجيد والبرمجة الناجحة للنهوض من الكبوات والعمل بشكل صحيح في كل مجالات التطور، وحرية التعبير هي التي تعمل على تكريس الإيجابيات، وتلافي السلبيات من أجل الارتقاء بالدولة والمجتمع إلى أفضل حال.

إن وسائل الإعلام والدعاية لأي سلطة، تحاول الإيحاء والادّعاء بأن حرية التعبير والرأي متاحة، ولكن في الوقت نفسه تحتج بظروف استثنائية لفرض قوانين الطوارئ على الفكر والثقافة، فيجد المفكر نفسه محشوراً في زوايا ضيقة، لا يمكنه العمل من خلالها بما يخدم بشكل فعلي الدولة الصحيحة والمجتمع الصحيح، وهذا ما لا نريده في سورية المستقبل.

بالتأكيد لا أحد مع الفوضى بحجة حرية التعبير، التي تكون غايتها الإساءة والتشهير بالأشخاص والأديان والطوائف والهيئات والأحزاب وما إلى ذلك، أو فضح أسرار خطط الدولة وأهدافها ومصالحها وعلاقاتها الدولية،
وكلنا ضد حرية التعبير التي تسيء للمجتمع من ناحية المنشورات الجنسية التي تكون غايتها نشر الفوضى الإباحية، وليس نشر الثقافة الصحية الجنسية، وهنا نحن نطلب وجود الرقابة القانونية المدروسة والمحددة والموضحة والمخططة دون أن تكون ارتجالية عشوائية.

وبالتأكيد أيضاً لا أحد ضد السلطات الأمنية عندما تكون غايتها أمن الوطن والمواطن وسلامتهما، بمنع المنشورات والأفكار التي قد تسبب الخلل بالأمن والأمان والسلم والسلام، وكل ذلك يجب أن يندرج تحت قوانين رقابية قانونية،
ولا بد من التفريق الصحيح لدى الجهات الأمنية والقانونية، والتمييز بين الأفكار البناءة فتسمح بها، وإن كان فيها نقداً أو إشارة لأخطاء أي سلطة على كل المستويات، والأفكار الهدامة لغاية الهدم فقط فتمنعها.

هذه القوانين الرقابية بالتوافق مع إطلاق الفكر وحرية التعبير نريدها في سورية المستقبل، سورية الحديثة، بالتعاون بين السلطات الأمنية والرقابية، والهيئات الثقافية التي يجب أن تكون مستقلة عن وصاية السلطات وغير تابعة لها، حتى لا تصبح الهيئات الثقافية أيضاً سلطة تمارس الضغط على المفكرين.

في سورية المستقبل نريد إطلاق الفكر وحرية التعبير، وأن يتخلص المفكر من عقدة الانتماء الإجباري لفكر السلطة ومن عقدة مجاملتها والرضوخ تحت وصايتها،
ومن عقدة إجباره على القبول بسياستها والترويج لها، حتى وإن كانت خاطئة، كما حدث ولو بشكل طرفة مع الأستاذ في المدرسة الذي قال له تلميذه الصغير ابن المسؤول الكبير بأنه سمع من والده بأن الفيل يطير، فما كان من الأستاذ إلا الرضوخ للأمر الواقع خوفاً على نفسه أن يعارض كلام المسؤول فقال للتلميذ :
نعم يا بني، إن كان والدك قد قال ذلك، فالفيل يطير طبعاً، ولكن لا أظن بأنه يرتفع كثيراً.

 

تمت قراءته 1643 مرات