العدد:783
تاريخ: 20/ 9/ 2017
 

تقرير مكتب العمل الفكري والتثقيف الحزبي والتربية والتعليم ، أقرّته اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوري الموحد

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

أقرّت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوري الموحد بتاريخ 24/2/2017) تقرير مكتب العمل الفكري والتثقيف الحزبي والتربية والتعليم.

وهذا نصه:

الرفاق الأعزاء؛

لقد طالب المؤتمر الثاني عشر للحزب بـ (زيادة الاهتمام بالعمل الفكري والتثقيفي داخل الحزب)، و(إعداد أبحاث ودراسات حول بعض القضايا الفكرية المرتبطة بالواقع الحالي...).

وهذه المهام لا تزال ماثلة أمام الحزب، وعمد المكتب الفكري المركزي لطرح بعض القضايا أمام اجتماعكم هذا، آملاً أن تثير نقاشاً وإغناءً، ثم متابعة لها في عمل الحزب والمكتب فيما بعد:

1- الثقافة الوطنية

يهتم المثقفون الوطنيون بالعديد من المسائل الفكرية، تتعلق بالديمقراطية، والمواطنة، والعلمانية، والعقلانية، والتراث، والنضال القومي والاشتراكي، والهوية الوطنية، وبناء الدولة العصرية، والتعددية السياسية، ومختلف أجناس الإبداع الأدبي والفني، وغيرها من القضايا الاجتماعية والسياسية.

لقد أدت السياسات الاقتصادية- الاجتماعية للحكومات المتعاقبة في العقود الأخيرة إلى تحجيم دور الدولة الاقتصادي والرعائي، وبروز دور فئة من أصحاب الأموال الذين اغتنوا عن طريق استغلال الاقتصاد الريعي الطفيلي وموارد الدولة، فانهار إلى حد كبير دور الطبقة الوسطى، وازداد الأغنياء غنىً كما ازداد الفقراء عدداً وفقراً.

وترك هذا الانقسام الطبقي وتباين المصالح، آثاره على ساحة الثقافة والفكر، بين الأفكار المناصرة للاتجاهات الاقتصادية الليبرالية الجديدة، الآخذة بإملاءات المؤسسات الاقتصادية المالية الدولية، المسيّرة بسياسات الدول الإمبريالية، وما ترنو إليه بتحويل اقتصادنا الوطني إلى تابع للاحتكارات الدولية، والانتقاص من هويتنا الوطنية والقومية.

وقد شدّدت ضغوطها أثناء الأزمة بالعقوبات الجائرة، التي فرضتها على شعبنا تلك الدول الإمبريالية والرجعية العربية، لمحاصرة سورية وإضعاف مقاومتها للهجمة الفاشية الإرهابية في السنوات الأخيرة.

ويقف في مواجهة ذلك تيارُ الأفكار الوطنية التقدمية، الممثلة للمصالح الجذرية لفئات شعبنا، من العمال والفلاحين والمثقفين والمنتجين الوطنيين،
أي ما ندعوه الثقافة الوطنية التي تكافح ضد المشاريع الإمبريالية والصهيونية، وتقاوم الإرهاب والاستبداد والظلم، ومفاسد الفئات الطفيلية والبيروقراطية ومظاهر التعصب الديني والفكر الظلامي التكفيري، 
وتطمح للانعتاق من الفقر والتخلف والتبعية، ولتحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة، وبناء الدولة العصرية الديمقراطية العلمانية التعددية، الضامنة لحقوق المواطنة والمساواة، وسيادة القانون، واحترام حقوق الإنسان وكرامته، ووحدة البلاد وسيادتها.

إن هذه الثقافة الوطنية هي التي يناصرها حزبنا، ويدعو إليها، ويسعى لإقامة أوثق الروابط مع ممثليها، وممثلو هذه الثقافة لهم حضورهم في مختلف المجالات الفكرية والأدبية والفنية، ويتابع أعمالَها فئاتٌ واسعة من جماهير شعبنا، رغم ما يمارَس اتجاههم أحياناً من تضييقات من السلطات، ومن أصحاب الافكار الظلامية.

إن الارتباط وثيق دائماً بين مهام الحالة الثقافية والفكرية، والظرف الموضوعي والحالة المجتمعية المزامنة لها، فالحالة المأساوية العنفية البالغة القسوة التي تمر بها البلاد في السنوات الأخيرة، نتيجة أعمال الإرهاب، وهجمات التكفير، والتطرف الديني والمذهبي المرافق لها، قد أصابت النسيج الاجتماعي بعطب شديد،
وأوجدت حالة شديدة التعقيد، وإلى أن يتمكن بلدنا من الخلاص منها، ويتعافى من عقابيلها، ويضمد جراحه، ويستعيد استقراره وحيويته الثقافية، تنتصب أمام الثقافة والمثقفين الوطنيين مهام استثنائية في العمل على إعادة تصويب ما شوهته الأحداث في البعد القيمي والأخلاقي والاجتماعي والوطني. فالثقافة تمثل القاعدة الصلبة والعمق الحقيقي لقدرة الشعب على الصمود والاستمرار والنجاح في تحقيق أهدافه.

ولكن سؤالاً يُطرح عن الأسباب التي أدت إلى تغذية فكر نكوصي يكبّل العقل والإرادة والحرية والمستقبل بمحددات الماضي الذي فات زمانه، وغدا معيقاً للتقدم ومعاكساً للتطور الإنساني وروح العصر؟؟!
ومما لا شكّ فيه أن السياسات الإمبريالية والرجعية العدوانية لعبت دوراً تآمرياً واضحاً في ذلك، لكن عوامل داخلية سهّلت ذلك أيضاً، ومنها:
الموقف المتعالي المتفرّد بالسلطة، وتهميش الجماهير، والتضييق على الحريات وعلى نشاط القوى السياسية العلمانية التقدمية، مما أفسح للقوى السلفية التفرد بالساحة دون منافس، فاتسع نفوذها وتأثيرها على الوعي الفردي والجمعي، وخاصة بين الفئات المهمشة.
إضافة إلى تراجع السلطات عن المشاريع التي طرحتها عند تسلمها السلطة، وعجزها عن حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، مما أدى إلى أزمة وفجوة بينها وبين الجماهير، استغلّته القوى الأصولية، وطوّرت نشاطها الدعائي مستفيدة من منابر المؤسسات الدينية، ومستندة إلى دعم الدول الغربية والرجعية العربية.

إن مواجهة الفكر السلفي الظلامي التكفيري، يحتاج إلى تفكيك القاعدة التي نما عليها، بانتهاج سياسات اقتصادية اجتماعية، تخدم مصالح الجماهير الشعبية، وتحقق التنمية، والعدالة الاجتماعية، واعتماد الدولة العلمانية المدنية،
وتوفير الحريات الديمقراطية في المجتمع، وتأمين أوسع مشاركة شعبية في إدارة البلاد، على أساس مبدأ المواطنة والمساواة والتعددية السياسية، والكف عن أساليب القمع، فالديمقراطية تساهم في إزالة أسباب وجود الفكر المتطرف والتربة المناسبة لظهوره، والعمل أيضاً على نشر وتجسيد الأفكار النهضوية التنويرية المتجددة دوماً، التي تقر بحق الإنسان في الاعتقاد والتعبير... الخ.. 
وتأمين الضمانات الكافية للباحثين بألا تطالهم يد القمع وفتاوى التكفير والقتل، ومساهمة الإعلام الموضوعي في التوعية، ونقد ظاهرات التطرف والتعصب المذهبي والطائفي، وتبيان آثارها السلبية على المجتمع ووحدته وتطوره، وضرورة تنقية مناهج التعليم، مما يخالف المفاهيم الإنسانية ويبعث على التعصب والتطرف، ومما يتنافى مع معطيات العلم ومنطق العقل.

2- الاشتراكية:

لا تزال الوقائع تثبت صحة المقولة الماركسية حول أن التناقض الأساسي في الرأسمالية هو بين الطابع الاجتماعي للإنتاج من جهة، والطابع الفردي للملكية الخاصة من جهة ثانية، فنجد اتساع قاعدة العاملين بأجر في مختلف فروع الإنتاج، سواء على النطاق الوطني أو العالمي، بينما تتركز الثروات والملكية في أيدي القلة.

وتشير تقارير مراكز الأبحاث إلى أن 85 فرداً في العالم يستأثرون بثروة تعادل ما بحوزة نصف سكان الكرة الأرضية، وما يؤدي إليه ذلك من احتكارات جبارة، وقوى عسكرية مرافقة، وتسلّط على مقدرات الشعوب، وقضم لحقوق الطبقات العاملة ومكتسباتها، وهذا ما يقوض وجود الرأسمالية، فهي ليست نظاماً أبدياً،
كما يدّعي المدافعون عنها، لأنها تقوم أساساً على أسس منافية للعدالة والمساواة، إذ يعمل الرأسماليون للحصول على أعلى معدلات للربح وفائض القيمة، وإيجاد أسواق لتصريف السلع، وأخرى للموارد والعمالة الرخيصة، وفي سبيل ذلك تولّد الرأسمالية حروباً أهلية، وقمعاً متوحشاً، كأحد مقومات وجودها، 
واستمرار عجلة إنتاجها الصناعي والحربي، واستحواذ أرباب النظام على قيمه، ولذلك تظهر الضرورة أكثر فأكثر لوحدة جهود قوى التحرر واليسار، وتفعيل نضالها من أجل عالم خالٍ من الحروب والاستغلال، ويبدو واضحاً ضرورة أن يتقدم اليساريون برؤية متطورة للفكر الاشتراكي في ظروف عصرنا، تعيد إليه هويته وألقه،
كمسار نضالي إنساني، لتحقيق أكبر قدر من العدالة الاجتماعية بديلاً عن الرأسمالية المتوحشة، وما تفرزه من استغلال وتفاوت فاحش في الثروة، وهدر لقيم العمل والإنسان والبيئة.

وهذا يلقي على الأحزاب الشيوعية والعمالية العالمية مسؤوليات تاريخية في تصعيد مواجهتها للعدوانية الإمبريالية، والدفاع عن أفكار الاشتراكية العلمية وتطويرها، فاستمرار الآثار الواسعة والعميقة الناتجة عن الأزمة المالية الرأسمالية التي تفجرت في مطلع هذا القرن،
والعجز عن معالجتها، يخلق الظرف الموضوعي ليشق اليسار طريقه ليقوم بدور فاعل ومبادر في قيادة العمل الجماهيري،
من أجل الحرية والديمقراطية والاشتراكية، وتفويت الفرصة على قيام الحركات الفاشية والتفرقة العنصرية، وإثارة الحروب والنزعات بين الشعوب وأطياف المجتمع الواحد. 
وواضح ما عملت عليه مؤخراً في منطقتنا من تسخير ثقافة التكفير والإرهاب لخدمة أغراضها وسياساتها.

إن الصراع الطبقي لم يضعف، والتغيير سيبقى مطلباً محقّاً وقائماً من قبل أكثرية أبناء كل بلد، واليسار لم يغب عن ساحة النضال، لكنه مرّ بمأزق مع انهيار المنظومة الاشتراكية السابقة، وهذه الوقائع تعيد فاعليته، كما نشهد في دول أمريكا الجنوبية والعديد من المواقع الأخرى، وتتبلور قوى دولية تزاحم العربدة الأمريكية والاستفراد الأمريكي بالقرار العالمي، 
مما يؤكد خطر السياسات التي روجت لرسملة العالم وأمركته، فالرأسمالية ترغب بإنهاء التطور التاريخي عليها، لكن الشعوب تريد الانتهاء من سلبيات الرأسمالية وإرثها الاستعماري ونزوعها للحروب، وصيانة السلم الدولي، 
فالتناقضات القائمة بين الإمبريالية وسعيها للسيطرة من جهة، وحاجة الشعوب إلى التحرر والانعتاق من هذه الهيمنة، هي التي تحدد اتجاهات نضال التحرر الوطني.

ويتضافر هذا مع نضال القوى اليسارية لإقامة نظام بديل منصف في توزيع الثروة على النطاق العالمي وداخل كل بلد، ومختلف في البنية الحقوقية والسياسية والمنظومة الثقافية الإعلامية، وهذا النظام المنشود يتمثل بالاشتراكية، وهي نظام أرقى من الرأسمالية، يأخذ منها ما هو مساعد في التطور،
وينبذ منها الطابع اللاإنساني في توزيع الدخل الوطني، وعدم تقديرها قيمة العمل في عملية الإنتاج وخلق الثروة. والاشتراكية نظام اجتماعي متكامل جوهره وأساسه إلغاء استغلال الإنسان للإنسان، وتحقيق مستويات متقدمة من العدالة الاجتماعية التي تضمن حقوق العاملين بسواعدهم وأدمغتهم، وتصون مصالحهم والتمتع بثمار عملهم.

وفي بلادنا يمكن اتخاذ إجراءات بخطوات تدريجية تراكمية وعلى مراحل، في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لإعداد مقدمات للبناء الاشتراكي، بالاعتماد على قطاع عام واسع، يمتلك وسائل الإنتاج الأساسية والمرافق الحيوية والاستراتيجية وإدارتها، مع الاستفادة من الرأسمال الوطني وفق خطة رشيدة للدولة الوطنية، لتأمين مصادر التراكم وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، 
وتأمين مستلزمات الدفاع عن الوطن، والتوزيع العادل للثروة، وتكريس أسس الدولة الديمقراطية والتعددية السياسية، واعتماد مبادئ الحرية والمواطنة والمساواة الكاملة.

فالديمقراطية المـلازمة للإجراءات الاجتماعية التقدمية تفسح المجال لتطوير نضال القوى الشعبية ضد التسلط الإمبريالي، والدفاع عن الوطن، ونشر الفكر التقدمي، ورفع الوعي الجمـاهيري، ومكافحة مظاهر الفساد والبيروقراطية المعيقين لتطور الدولة والمجتمع.

ويعدّ النجاح في تقليص التفاوت بين الطبقات الاجتماعية الأساس الفعلي لاحترام حقوق الإنسان، ولتطوير أشكال جديدة للمشاركة الشعبية تتجاوز أشكال تطبيق الديمقراطية البرجوازية، وهكذا تنشأ الظروف المناسبة لإنتاجية أوفر، الأولوية فيها للإنسان، وليس لربح البعض وخسارة الآخرين.

وأول ما يقتضيه ذلك، هو الإقلاع عن السياسات الاقتصادية الليبرالية، التي أضرّت بالاقتصاد الوطني، وأساءت لمعيشة الشعب ولشبكة الضمان الاجتماعي، ووسّعت الفوارق الطبقية، والانعطاف نحو سياسات تصبّ في مصلحة الأغلبية الساحقة من الشعب، من العاملين المنتجين،
وخاصة العمال وصغار الفلاحين والحرفيين، واستعادة الدولة لدورها الرعائي التنموي، وتبرز الحاجة كذلك إلى دور فعال لجبهة سياسية اجتماعية عريضة تضم جميع القوى الوطنية المنتجة للثروات وغير المستغِلة وغير التابعة للرأسمال الأجنبي.

إن المراحل المتتالية للانتقال إلى الاشتراكية يجب أن تستفيد من التجارب الدولية السابقة، وتتجنب أسباب عثراتها، وتستفيد أيضاً من التجارب المماثلة الجارية في البلدان الأخرى وبالتعاون معها، وإقامة تحالفات أممية مع حركات التحرر الوطني والقوى والأحزاب الشيوعية والعمالية المناضلة ضد الرأسمالية في البلدان الأخرى كافة.

3- المجتمع المدني:

ظهر تعبير المجتمع المدني في القرن الثامن عشر، عندما تفكّكت علاقات الملكية عن الجماعات القديمة والوسيطة، وبرزت الطبقة البرجوازية، ونشأ النظام الرأسمالي في نطاق طور معين من تطور القوى المنتجة في مجال الصناعة والتجارة.

فالمجتمع المدني هو مجتمع مديني عالمي، وهو نتاج المرحلة الرأسمالية ونظمها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وتجاوزاً للابتذال الذي شاع في الخطاب الأمريكي، الذي يحصره بالمنظمات غير الحكومية، فالمفهوم السليم للمجتمع المدني يتضمن الاعتراف بتعددية المصالح للقوى العاملة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والسياسية، وبشرعية تنظيمها، وحرية إعلانها، ومن أبرزها: النقابات المهنية والشبابية، والنسائية، والأحزاب السياسية، والجمعيات والمنظمات غير الحكومية على أنواعها وغيرها.

ودون وجود مثل هذا المجتمع المدني ومنظماته لن تكون الممارسة الديمقراطية المتمثلة بالانتخابات إلا مسرحية بلا مصداقية.

أما ما يدعى المجتمع الأهلي فهو ما سبق المرحلة الرأسمالية، وأبرز مؤسساته: العائلة والعشيرة والقبيلة والطائفة والحرفة والعصبية، في مختلف روابطها العرقية والدينية والمقاطعية، وغيرها، ويستمر تأثيرها في المرحلة الرأسمالية.

وتجدر الإشارة إلى أن القوى والمؤسسات الدولية في البلدان الإمبريالية تستغل قضية حقوق الإنسان المنتهكة في بلداننا، والافتقار إلى قوانين مدنية عصرية، لتنشئ منظمات، تسميها منظمات للمجتمع المدني مرتبطة بها، وتقوم بتمويلها، ومن ثم تستغلها لخلخلة أوضاع الدول التي لا تسير في ركابها، وهذا ما يجعل بعض القوى تتوجس من كل مؤسسات المجتمع المدني، وتكيل له الاتهامات جزافاً دون التمييز بين المنظمات الوطنية منها والمنظمات المرتبطة.

ولذلك تفرض الضرورة في الدولة الحديثة تشريع قانون ديمقراطي عصري ينظم تشكيل عمل منظمات المجتمع المدني وهيكليتها، ويمنحها حرية العمل وفق القانون، وبشكل مستقل عن إدارة السلطات أو تسييرها في ركابها، وينهي الالتباس والجدل حول شرعية منظمات المجتمع المدني ووطنيتها.

4- الدولة المدنية:

بدأ شعار الدولة المدنية يتردد مؤخراً في أرجاء المشرق العربي المعاصر على نطاق واسع، واعتبارها نقيضاً للدولة الدينية، ولأنظمة الحكم الديكتاتورية والعسكرية، وتجسيداً لمبادئ الديمقراطية والتعددية السياسية، فالدولة المدنية تحترم الإنسان والفرد، بصفته مواطناً حراً، وليس من رعايا القبائل والطوائف، وتعطي الأولوية للقانون الوضعي الدستوري،
وحماية التعددية الفكرية والتنوع الثقافي والاجتماعي، وتستمد شرعيتها من الشعب وليس من الحاكم المستبد العادل، أو من إرادة إلهية غير منظورة، وتستند إلى قوانين ومؤسسات سياسية عصرية، تحمي الأفراد والجماعات انطلاقاً من حقوق الإنسان والقيم الإنسانية والأخلاقية، وتطبق القوانين على الجميع وتعدّلها وفق مصلحة الإنسان، وتسعى لتحقيق السلام والتسامح وقبول الآخر، والمساواة بين المواطنين ذكوراً وإناثاً.
وتعمل على ترسيخ الثقافة المدنية، وترسيخ الثقة بعمليات التعاون والتبادل المختلفة، وتحقيق التنمية، وبناء مجتمع المعرفة، ونشر العلوم والتكنولوجيا المتطورة، وتأمين سبل الإبداع، وتضمن دوراً فاعلاً لمختلف منظمات المجتمع المدني الشبابية، والنسائية، والنقابية والمهنية، وغيرها من المنظمات أو الاحزاب السياسية، وتشجع الأحزاب والمنظمات الديمقراطية والعلمانية،
وتحترم جميع الأديان، وتضمن حرية ممارسة المؤمنين للطقوس الدينية، ولكنها لا تسمح باستغلال الدين لأهداف شخصية أو حزبية أو طائفية، وتعتمد الديمقراطية أداة لتحقيق المصالح العامة والحكم العقلاني الرشيد، وتحول دون أن تُحتكر الدولة لمصلحة فرد أو نخبة أو عائلة أو نزعة إيديولوجية، ومع تطور نمط الإنتاج الرأسمالي على مدى تاريخي، تطورت أسس الدولة المدنية وقواعدها، وإجمالاً تقوم على أركان خمسة، لابد أن تتواكب معاً وهي:

1. المساواة المستندة إلى الدستور والقانون ومبدأ المواطنة لجميع أبناء الشعب، بغض النظر عن الانتماء الديني أو المذهبي أو الجنسي أو السياسي أو الإثني أو اللغة أو الإعاقة.

2. حرية الرأي والضمير في قضايا ومجالات الفكر والسياسة والإيمان والمعتقد، مع الالتزام بحرية الآخر فرداً، أو جماعة، وعدم التطاول على معتقداته.

3. الشعب مصدر السلطات، ومنشئ التشريع، من خلال المؤسسات التي تعبّر عن إرادته وممثليه المنتخبين ديمقراطياً.

4. الفصل بين مؤسسات الدولة والمؤسسات الدينية (فصل الدين عن الدولة والتعليم).

5. سيادة القانون وتطويره وخلق حالة ثقافية مجتمعية بهذا المفهوم.

هذه الأركان تكون كلاً متكاملاً لا يصحّ أن يؤخذ أحدها دون آخر، وهي ما يمكن أن يطلق عليها الدولة الحديثة التي تستمد وحدتها وتماسكها من وحدة مجتمعها وتكامله.

وقد غدت كثير من القوى السياسية والاجتماعية والثقافية، ومنها حزبنا، تعتمد شعار الدولة المدنية، ولكن حتى الآن تعثّر بناء الدولة المدنية في البلدان العربية لأسباب عدة أبرزها: قوة حضور العصبية الدينية، وافتقارها للمجتمعات المتطورة على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي، والثقافي.

5- التربية والتعليم:

لا أحد يتجاهل أهمية العلم في تقدم المجتمع، وتشكل مؤسسات التربية والتعليم المدخل لامتلاك أبواب العلم، وإعداد الأجيال المتسلحة بالعلم والقادرة على أخذ دورها في بناء الوطن وتطوره، فمستقبل الأمم ترسى أسسه على مقاعد الدراسة، والسياسات التعليمية الرشيدة توفر الإمكانيات لاستثمار الموارد البشرية، التي تشكل الدعامة المحورية لمسار التطور والتقدم والتنمية.

فالتعليم مشروع اقتصادي واجتماعي، مردوده المستقبلي يفوق تكاليفه بمرات عديدة، ويتضاعف هذا المردود كلما طُوِّرت الطرق والأساليب التربوية والتعليمية، وامتُلكت الجودة في الإعداد والتدريب.

لقد أُنفقت مبالغ ضخمة على إنشاء المدارس بمختلف درجاتها في بلادنا، واعتُمد مبدأ إلزامية التعليم ومجانيته حتى نهاية مرحلة التعليم الأساسي، في كل أرجاء البلاد، فانتشر التعليم وتوسع أفقياً وعامودياً، وجرى تطوير البنية التحتية للتعليم العالي، وافتُتحت عشرات الجامعات العامة والخاصة، واكتظت بالطلاب، ويجري إيفاد آلاف الطلاب إلى دول ذات ثقافات مختلفة، وهذا إنجاز هام وباتجاه صحيح من حيث المبدأ،
لكن هذه الإنجازات في مجال التوسع والاستيعاب يجب ألا تكون على حساب نوعية المخرجات، فالوضع العام للتعليم مازال متواضعاً، ونشهد شحّة الموارد المخصصة للتعليم في الميزانيات السنوية، مقابل زيادة عدد الطلبة، وبطء التوسع المناسب في المدارس والجامعات. فتزدحم الشعبة الصفية بالطلبة، ويجلس طلاب بعض الكليات الجامعية على الأرض بين المقاعد، ويعجز القطاعان
العام والخاص عن تأمين فرص العمل للخريجين، وظهرت حدّة مشكلة البطالة، وأدى دوراً سلبياً اعتمادُ علامة النجاح في الثانوية معياراً وحيداً للقبول في الجامعات، وترافق ذلك مع شدّة الإقبال على كليات الطب والصيدلة والهندسة مثلاً، 
فأصيب المجتمع بحمّى العلامة، وأصبحت الدروس الخصوصية شرّاً لابد منه، فأرهقت دخول الأسر المحدودة الدخل، وقُوّض إلى حد كبير مبدأ مجانية التعليم، وخاصة لأبناء الفقراء الذين لا يستطيعون الدراسة في الجامعات الخاصة، ومعظم الطلبة اليوم يدرسون اختصاصات لا يرغبونها.

إن طريقة الامتحانات التقليدية التي تعتمد الذاكرة الحفظية مقياساً لتصنيف مستويات الطلبة وفق درجاتهم المحصلة، ومن ثم تحديد مجال دراستهم اللاحقة في التعليم العام أو المهني أو مدارس المتفوقين،
وبالتالي في أي المعاهد أو الكليات الجامعية، قد أدى ويؤدي إلى نتائج ضارة كثيرة بسبب إهمال جوانب أساسية من المؤهلات العقلية والمهارات الإبداعية لدى الطلبة لا تسبرها طريقة امتحانات الذاكرة.

إن رأس العملية التربوية وسرّ نجاحها هو المعلم، ولذلك يجب إعادة النظر بطريقة اختياره، بحيث تعتمد كفاءاته وخبراته وليس الانتماء والولاء، وكذلك يجب الارتقاء بإعداده وتأهيله، مع توفير التكريم المادي والمعنوي، والاهتمام برفع مستوى معيشته ليتمكن من التفرغ الكامل للتعلم والتعليم، 
فأكثرية المعلمين تضغط عليهم ظروفهم وتضطرهم لممارسة أعمال أخرى تنهك قواهم، وتباعد بينهم وبين تطوير معارفهم ومهاراتهم، أما الاكتفاء فقط بالحديث عن أن المعلمين بناة الأجيال، فلا يؤدي إلى نجاح العملية التربوية، فالمثل العربي يقول: 
(الفم لن يكون أحلى مذاقاً بتكرار الحديث عن الحلوى)! فلا بدّ من معالجة الأمر، وبذل قصارى الجهد كي لا يسفر الحال عن المزيد من المآسي.

إن نجاح العملية التربوية يحتاج دائماً إلى تطوير المناهج التعليمية وفق تطور العلوم وحاجات المجتمع، وتوفير الوسائل والأدوات التطبيقية المناسبة لها، وقد جرى في السنوات الأخيرة إعادة إعداد للمناهج في التعليم ما قبل الجامعي، وجرى التشديد على قوة محتواها العلمي والمعرفي، وعلى تجديد طريقة تطبيقها، 
ولكن يحول حتى الآن دون تطبيقها أمور عديدة منها: عدم التأهيل الكافي للمعلمين على تطبيق الطرق الجديدة، وعدم توفر وسائل وأدوات الإيضاح والأجهزة التقنية الحديثة المناسبة، وازدحام الطلبة في الغرف الصفية، وبالتالي عدم توفر قاعات مناسبة لتوزيع الطلبة إلى مجموعات بحث، وعدم معرفة الأسر،
أو عدم قدرتها على تقديم المساعدة الممكنة لأبنائهم، ولذلك بقي أسلوب التلقين التقليدي هو السائد في التعليم، وتكريس ثقافة اليقين والإجابات النهائية، واستمر دور المتعلم متلقّياً وسلبياً ولا ينمّى لديه روح السؤال والمساءلة والنقد والشك والبحث والتحليل والتطوير العلمي، والحال نفسه والأسلوب نفسه يتبع في التعليم الجامعي،
وفوق ذلك لم يعد الطلبة يبحثون عن المعلومة في المراجع والمصادر في المكتبات ودور المحفوظات، وحتى يهملون قراءة الكتب المقررة، ويكتفون بدراسة ملخصات عن المحاضرات، تسوّق في أكواخ الكليات، وتتداول الأحاديث عن طرق مخزية للفساد.

وتفتقر المناهج الجامعية للارتباط بينها وبين الحاجات الحقيقية والواقعية لسوق العمل ومراكز الإنتاج، ولمتطلبات البحث العلمي واقتراح الحلول وإيجاد مخارج مبتكرة لمعالجة مشكلات التنمية في البلاد، واستثمار مواردها، والمساهمة في تقدم المجتمع وإنتاج المعرفة، وهذا ما يجب أن تتركز عليه أبحاث التخرج في الدراسات العليا ومراكز البحث الجامعي.

وتحتاج كل مناهج المراحل التعليمية لتنقيتها من كل ما يخالف المفاهيم المجتمعية والأخلاقية وروح التسامح والتعايش والوحدة الوطنية، أو يتنافى مع العقل وتطور العلوم.

هذه النقاط وكثير غيرها من المواضيع المتعلقة بالتربية والتعليم تحتاج إلى المتابعة، ولا يمكننا التوسع في مضامينها في هذا التقرير الموجز، ومنها على سبيل المثال وليس الحصر:

1. انتشار التعليم الخاص والمفتوح، وارتفاع تكاليفه، والنقص في توفر متطلباته.

2. مشاركة القطاع الإنتاجي العام والخاص في الإنفاق على البحث العلمي وعلى إعداد مخرجات التعليم.

3. التوسع بالسكن الجامعي وتحسينه.

4. تحسين مستوى الخدمات والمرافق الصحية في مختلف المستويات التعليمية.

5. تهيئة البيئة الحاضنة لأصحاب العقول والكفاءات، والحد من ظاهرة هجرتها، بينما البلاد نحن بأمسّ الحاجة إليها وإلى تلافي الآثار المدمرة للأزمة.

6. معالجة ظاهرة التسرب من المدارس، وتفاقمها خلال الأزمة الأخيرة، إذ لم يتمكن نصف أطفال سورية من الالتحاق بمدارس مرحلة التعليم الأساسي في العام الدراسي 2015- 2016.

7. إن جانباً مهماً من عملية إعادة الإعمار ومعالجة آثار الأزمة، يجب أن تشمل إعادة بناء الإنسان الجدي الإيجابي الديموقراطي، المتمسك بوحدة مجتمعنا الذي هدّدته دعوات التطرف والتفتيت الطائفي والظلامي، وآلاف الأطفال يحتاجون إلى برامج من الدعم النفسي، تبدأ من الروضة، وتشمل مختلف أنواع الأمراض من خوف ورعب وعصاب، وغيرها، الناتجة عن مشاهد القتل والدمار والتشرد والخطف وغيرها.

8. وكثير من المعالجات والسياسات التربوية والتعليمية ترتبط بالإصلاح السياسي، ومنها:

أ: أن تستهدف العملية التربوية إعداد المواطن الإنسان الحر الواثق من نفسه ولا يقبل الخنوع، القادر على الرؤية والتحليل وقول الحقيقة بجرأة، على قاعدة المعرفة العلمية والعقل، والمشبع بالثقافة الوطنية والقيم العليا، والحريص على نيل حقوقه وتأدية واجباته.

ب: الاختيار السليم للكوادر التدريسية والإدارية على أسس الكفاءة والخبرة، وليس من منطلق الولاء والانتماء الذي كان معتمداً، وأضرّ كثيراً بالعملية التعليمية.

جـ: إن التعددية السياسية والثقافية تشيع جواً من المنافسة في العطاء والمبادرة الوطنية، أما الأحادية واللون الواحد فقد تفسح للتنافس على الانصياع والولاء والتسلق، ومن يصل عن هذا الطريق لا بدّ أن يعمل على تنشئة الأجيال على الطريق ذاته، وإغلاق الأفق أمام التطور.

6- أعمال المكتب :

بدأ المكتب عمله بعد المؤتمر الثاني عشر بوضع تصورات لخطة عمله، ولكن الظروف التي تمر بها البلاد أعاقت طموحاتنا كثيراً، واختزلت عملنا إلى الحد الأدنى، فعقد عدة اجتماعات غير مكتملة بسبب صعوبة حضور الرفاق من عدة محافظات، ومن أعماله:

1. ندوة بعنوان (آراء حول الاشتراكية)، ستنشر في كرّاس خاص.

2. متابعة تشكيل المكاتب الثقافية في المنظمات، فقد أرسلنا رسالة للمنظمات بعد الانتهاء من انتخاب هيئاتها المنطقية، ندعوها لتشكيل مكاتبها الثقافية ووضع خطة عملها، وأكدنا أهمية دراسة وثائق المؤتمر الثاني عشر، وموضوعات المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية والأدب التقدمي الثوري، وندعو مجدداً المنظمات لاستكمال تشكيل مكاتبها الفكرية ومتابعة خطة عملها.

3. شكلت منظمة طرطوس مكتبها، ونظمت حتى الآن محاضرتين حول العلمانية، والوهابية والفكر الظلامي، وشكلت منظمة السويداء مكتبها ووضعت خطة عمله، وتابع المكتب الثقافي في منظمة حلب عمله وأقام دورة لتعزيز ثقافة الرفاق الشباب.

4. قام بعض أعضاء المكتب بنشر مقالات في صحيفة (النور) وعلى صفحات التواصل الاجتماعي الإلكترونية، وإلقاء بعض المحاضرات في المراكز الثقافية، ويعد البعض دراسات حول موضوعات محددة لم تكتمل بعد.

7- بعض المهام في مجال الفكر والثقافة:

أيها الرفاق، تدركون أن العمل الفكري والثقافي عمل مستمر، ويحتاج إلى جهود كل الرفاق، وتنتصب أمامنا مهام تحتاج إلى جهود كل الرفاق أيضاً، ومنها:

1. إن الماركسية اللينينية بقوانينها العامة، ومنهجها المادي الجدلي التاريخي وقابليتها للتجدد والتطور وفق متطلبات الحياة، ومع الجديد في العلوم، هي أجدر المنظومات الفكرية حتى الآن وأوثق منهج لمعرفة القوى المحركة لتطور المجتمعات البشرية، وإعادة الترتيب الثوري للعلاقات الاجتماعية وصولاً إلى تحقيق مجتمع الحرية والعدل الإنساني، وهذا يرتّب على كل الرفاق الشيوعيين مهمة التعمق بدراسة منظومتها الفلسفية والاقتصادية والاجتماعية، وامتلاك منهجها معرفياً، والاسترشاد به في دراسة الظروف الواقعية المحيطة بعملهم، وتحديد المهام البرنامجية لنضالهم.

2. إن دراسة الوثائق الصادرة عن المؤتمر الثاني عشر للحزب واجتماعات اللجنة المركزية تمكّن الرفاق من النجاح في أداء مهامهم.

3. علينا، باستمرار، الدعوة للخيار الاشتراكي، كنظام يتخطى الرأسمالية نحو مجتمع أكثر عدالة وحرية، والبحث في معالم الطريق إلى اشتراكية المستقبل وفق ظروف بلادنا.

4. توضيح مفاهيم العلمانية والمواطنة، والدولة المدنية والدولة الديمقراطية.

5. المساهمة في بلورة مشروع ثقافي نهضوي ديمقراطي علماني، يساعد على توحيد جهود اليسار من أجل التقدم والعدالة.

6. مناصرة دور المرأة الوطني والاجتماعي، والعمل لإزالة معوقات قيامها بدورها من تشريعات وأنظمة وعادات مقيدة.

7. مكافحة الفكر الظلامي التكفيري والتعصب الإثني والديني والطائفي.

8. تعزيز الثقافة الوطنية، وتوثيق العلاقات مع المفكرين والمثقفين ورجال الأدب والفن.

 

أملين تلقي آرائكم وملاحظاتكم على العناوين التالية:
 

 إيميل الحزب: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 فاكس الحزب: 4422383 - 011

أو

 إيميل جريدة النور: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 فاكس جريدة النور: 3342571 - 011

 

 

تمت قراءته 174 مرات