العدد:792
تاريخ:22/ 11/ 2017
 

سقوط المفكّر تحت عبء الخطاب التعبوي

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

 في الوقت الذي أصر فيه برهان غليون على ضرورة ملاقاة العولمة الأمريكية وعدم جدوى ممانعتها ومقاومتها، غرق حتى أذنيه في التنظير والممارسة معاً في تبييض صورة القوى الدينية الرجعية السلفية التي تشكل أشد حالات المقاومة إفلاساً، مما أوقعها في مصيدة أجهزة المخابرات الغربية لتكون شماعة حروبها على العالم.

بعد زيارة خاطفة لبرهان غليون إلى المناطق التي يحتلها الإرهابيون في سورية، وصف في حديث خاص لموقع الحزب التقدمي الاشتراكي اللبناني عام 2012 ما يجري بأنه:
(ثورة شعب مسلح يخوض حرب تحرير وطنية حقيقة)، في محاولة لقلب وجهة الصراع العربي الصهيوني، وتشريع توجه عداء الرأي العام نحو الاقتتال الداخلي، وقال إنه لا يوجد مسلحون في الداخل السوري، والجيش الحر هو الشعب نفسه.
وفي حوار آخر له لـ(أورينت نيت) صرح أن جبهة النصرة ليست خطراً، أما في حوار موقع بوابة العرب معه عام 2016 فقد أمعن في الخطاب التعبوي، باختلاق مبررات لممارسات الجماعات الجهادية الإرهابية، بوصفها ردود أفعال وإخفاء حقائق تراثية تتعلق بالبنية الفكرية المرجعية لهذه الجماعات.

لقد نفى برهان غليون في حواره وجود أساس للتطرف والكراهية في المدرسة الوهابية، وقال إن نشوء التطرف والإرهاب هو ثمرة شروط اجتماعية وسياسية محلية ودولية حتى لو شرعن نفسه في الدين، وأعطى مثالاً حول داعش قائلاً:
داعش المسخ مولود تناقضات السياسات الغربية المتجلية في بشاعتها القصوى في حرب أفغانستان، عندما استخدمت الشباب العربي باسم المجاهدين ودرّبتهم وسلحتهم لمواجهة الاحتلال الروسي، ثم تخلت عنهم كالكلاب الضالة، وطلبت من حكوماتهم إعدامهم بصمت.
وحصل ذلك بالفعل مما عبأ الفئات المتخفية من هؤلاء الشباب، وقد عاشت مرعوبة وخائفة، بالحقد وروح الانتقام عندما وجدت فرصتها لحياة جديدة مع غزو واشنطن للعراق وتشريد آلاف الضباط والجنود.

ولولا بعض الثغرات المتعلقة بمنهجية صراع الحضارات التي اتبعها برهان غليون في تخصيصه للجماعات السلفية الإرهابية كضحايا من بين مليارات من ضحايا عولمة الاقتصاد والثقافة الأمريكيتين من فقراء العالم، بمختلف توجهاتهم الفكرية والعقائدية وإيديولوجياتهم وطوائفهم ومذاهبهم وأعراقهم،
وبمحاولته تجاوز حقيقة أن الإرهاب هو ثمرة تحالف الغرب الرأسمالي العلماني، مع قوى التدين الرجعية، واستثماره الأقصى لطبيعتها الإلغائية المتأصلة، إضافة إلى محاولته إثارة الشفقة والتعاطف مع هذه القوى وتمنيه الطوباوي لو أن الغرب قام بمكافأتها، كما يدل مضمون حديثه، لقلنا عن السرد التاريخي الموضوعي الذي أورده في الحوار إنه صحيح، صحيح لكنه ناقص،
فهو جانب واحد يفتقر إلى الجانب الذاتي، الذي يدرك حكماً برهان غليون كمفكر العلاقة الجدلية بين الجانبين، لكن ضرورات الخطاب التعبوي فرضت عليه الإضاءة هنا والتعتيم هناك عمداً، فالدور الأمني الغربي في صناعة التطرف والعنف لا جدال حول مركزيته وأولويته، لكن قدرته على تحقيق أهدافه بقيت مشروطة بمدى التجاوب الثقافي للقوى الرجعية التي جنّدها لتحقيق مشروعه، الشرط الذي أخفاه برهان غليون، وهو لا يفوته، هو امتداد الخط السلفي لداعش عميقاً في التاريخ، فليست الوهابية سوى أحدث محطاته التي سبقها الفقهاء والعلماء الحنابلة الأشد التزاماً بالنص الشرعي الذي لا يتعدّونه،
وسبقهم أيضاً أهل الحديث، وقد كتب أحمد جودة على موقع اليوم السابع تحت عنوان (آباء داعش) في 18 حزيران 2016 أن الفتاوى التي يصدرها التنظيم تستند إلى كتب وأدبيات قديمة وجديدة لتكفير الجميع، وأبرزها:

أولاً- العمدة في إعداد العدة - مؤلفه عبد القادر بن عبد العزيز، ويمثل دستور داعش.

ثانياً- التوحيد شرح الأصول الثلاثة - مؤلفه محمد بن صالح القيمين.

ثالثاً- إدارة التوحش - مؤلفه أبو بكر ناجي، وتقوم تلك الإدارة حسب الكتاب بإقامة القضاء الشرعي عبر ضمان أمن منطقة التوحش بتدريب الجميع على القتال (المجتمع المقاتل).
لاحظ التشابه بين المصطلح وتصريحات برهان غليون مثل ثورة شعب مسلح، والجيش الحر هو الشعب نفسه.

رابعاً- الأنام بميلاد دولة الإسلام - المؤلف عثمان بن عبد الرحمن التميمي، وهو كتاب يدعو لوجوب قيام دولة الخلافة، ويستشهد بعدد كبير من النصوص والآيات القرآنية والأحاديث حول طاعة الأئمة، كما يفرد مساحة كبيرة لفتاوي الشيخ ابن تيمية.

ومن المؤسف أن خطاب الكاتب السعودي حسن بن سالم، الذي أطلق على داعش صفة تنظيم المتوحشين، كان أكثر تطوراً من خطاب البروفيسور غليون مؤلف (اغتيال العقل)، فقد أكد أن التوحش ليس مجرد عمل ظرفي اقتضته ساحة القتال،
إنما هو استراتيجية ونهج رسخه أبو مصعب الزرقاوي عام 2003 الذي لقب بأمير الذبّاحين، وهو لم يأت بتلك الاستراتيجية من فراغ، فالمرجعية التي قامت عليها عقيدته الفقهية المتعلقة بالذبح والنحر وقطع الرؤوس تعود لكتاب(فقه الدماء)، لمؤلفه أبي عبد الله المهاجر المصري، وهو أهم شيوخ أبي مصعب الزرقاوي من الذين تلقوا العلوم الشرعية وأكمل دراساته في الجامعة الإسلامية، وقال المختص الأردني في شؤون الجماعات الإسلامية عن الكتاب بأن رائحة الدم تفوح منه من الغلاف إلى الغلاف.

ومن المعروف أساساً أن تنظيم داعش يرتكز في هيكليته وتشريعه على مراجع تتعلق بأحكام الفقه والخلافة وتقليد الولاة والأمراء والقضاة، ومن أكثر الكتب التي فرضها التنظيم على المناطق التي احتلها من سورية هو كتاب (التوحيد)، لمحمد بن عبد الوهاب، الذي رأيت بأم عيني عشرات النسخ منه كان خلّفها الإرهابيون وراءهم في كل بيت عند تحرير الجيش السوري لقريتي في الريف الشمالي للاذقية،
رغم أن تنظيمات غير داعش كانت تحتل المنطقة من عام 2012 حتى ،2016 مما يؤكد ما جاء في كتاب (سوسيولوجيا العنف والإرهاب) لعالم الاجتماع العراقي إبراهيم الحيدري
(تكشف الكتب والمنشورات الصادرة عن الحركات السلفية المتطرفة القاعدة وأخواتها داعش والنصرة والجبهة الإسلامية...الخ عن الرابطة العقدية الوثيقة بينها وبين الوهابية).
وينقل الكتاب المذكور عن أبي ماريا القرشي، الذي يعتمد في شرحه لعقيدة داعش على رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب في عقيدة التوحيد، ما يلي:
(تعتبر الوهابية أن أهل العلم قاطبة أجمعوا على كفر النصيرية وردّتهم عن الدين، فمالهم ودمهم وذراريهم حلال للمسلمين، فاقتلوا رجالهم واسبوا نسائهم..الخ، وأن العلمانية على اختلاف راياتها وتنوع مذاهبها كالقومية والشيوعية والوطنية والبعثية هي كفر مناقض للإسلام مخرج من الملة)، فالوهابية هي التي أعطت مسلحي التنظيمات الإرهابية المبرر الديني الشرعي والأخلاقي للقتل وسفك الدماء في المجازر المروعة التي ارتكبت في القرى المجاورة لقريتي، وغيرها من المجازر على امتداد الخارطة السورية.
ومع ذلك زعم برهان غليون أنه لم يجد في الوهابية أساساً للتطرف والكراهية ولا في النصرة خطراً، وأن هذه المواصفات مكتسبة نتيجة لتناقضات السياسات الغربية بعد حرب أفغانستان، مما يبقي السؤال قائماً: ما الذي تغير في تلك السياسات؟ والغرب نفسه الذي رمى بالجماعات الإرهابية الجهادية كالكلاب الضالة ما زال يحركها في حربه على سورية، فكيف أصبحت ثورة مسلحة تخوض حرب تحرر وطني؟.

برهان غليون الذي لم يستكمل ما بدأه الياس مرقص، على سبيل المثال، من دفع التقدم من خلال التراث، وتجاهل أطروحة حسين مروة التي تفصل بين النزعات المادية والنزعات الغيبية في الإسلام، يدرك تماماً أن الإنتاج المعرفي للسلفية وهو ينتحر من أجل إسقاط الماضي على الحاضر يستحيل أن يتطابق مع مفاهيم كالثورة وحرب التحرر الوطني،
وأنه عندما سالت في الغرب دماء كثيرة من أجل فصل الدين عن الدولة، فقد سالت من أجل تقدم البشرية، بينما تسيل في بلادنا من أجل القضاء على القليل الذي أنجز في مجال التحديث، وإحلال دولة الخلافة محلّه، لذلك فهو أمام تحدي الإجابة عن السؤال المطروح، وهو أعجز من أن يجيب نتيجة للمهمة المكلف بها،
فإضافة إلى كل الشهادات السابقة التي أكدت ارتباطه بالمخابرات الفرنسية، أضيف هنا للمرة الأولى شهادة حية هي الأقدم حقيقة لأحد رفاقنا القدامى لم يشأ الكشف عن اسمه، تعود لأيام الدراسة في باريس، فقد كان جالساً إلى جانب برهان غليون في أحد المقاهي، عندما توقفت سيارة صديق آخر لرفيقنا هو المرحوم عصام الزعيم، الذي أشار إليه أن يحضر وفاتحه على الفور بالسؤال: ما الذي أجلسك مع هذا؟ ويرد رفيقنا مستغرباً: ولمَ لا أجلس معه؟ فيجيب: الكل يعرف هنا أنه عميل للأجهزة الأمنية الفرنسية.

وكان برهان وقتذاك ما زال طالباً، فبئس الفلسفة!

 

تمت قراءته 260 مرات