العدد:783
تاريخ: 20/ 9/ 2017
 

عصر ظلمات جديد ولكن من هم جُناته الفعليون؟

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

في الفترة نفسها لتفكك الاتحاد السوفييتي ظهر كتاب (تحوّل السلطة)- ترجمة اتحاد الكتاب العرب 1991، لعالم دراسات المستقبل المحاضر في لجان البحث عن حاجات المستقبل الأمريكي، ومختلف جامعات العالم (ألفن توفلر) الذي ترجمت كتبه إلى معظم اللغات مستبقاً كل الأطروحات الفكرية اللاحقة التي لم تحد عن محتواه لا من حيث استخدام الديالكتيك الهيغلي كما في كتاب فوكوياما (نهاية التاريخ والانسان الأخير)- 1992،
ولا من حيث التنبؤ بشكل الصراع القادم كما في أطروحة هانتنغتون (صراع الحضارات) المنشورة أولاً في مجلة فورين آفيرز 1993 ثم في كتاب عام 1996، وبشر به العالم بالصراع القادم بين الغرب المتفوق والآخرين وعلى رأسهم الدول ذات الأغلبية المسلمة، فبذور هذه البشارة يتضمنها كتاب ألفن توفلر الذي تمحور حول الصراع القادم المحموم وطموح القوى الجديدة لامتلاك السلطة على العالم، وحدد هذه القوى في تضخيم مدروس ومتعمد في حديثه عن خطورة يشكلها هجوم القرن الحادي عشر بمتطرفيه الدينيين على ديمقراطية القرن الحادي والعشرين، وهي المنجز الوحيد للإنسانية في عصر الأنوار- حسب رؤيته.

يعود ألفن توفلر في كتابه إلى جذور مفترضة تسبق ثورة الهيبيز المضادة، إذ يتضمن عنواناً فرعياً: (تطلعات إلى عصر ظلمات جديد) أرجع خلاله فكرة العودة إلى الطبيعة – ما قبل الأنوار - إلى حركة (فاندر فوغل – الهيبيين الخضر لجمهورية فايمار \ ألمانيا) في عشرينيات القرن الماضي. ولكن أول صعود للفكرة وانتشارها جاء بعد عقد على ذلك،
حين مجّد أدولف هتلر القيم التي سبقت العصر الصناعي، وألح عقائديوه دون انقطاع على الطبيعة، وحين صعدت الحركة الهيبية في أمريكا كان  هاجس العودة إلى الماضي الأسطوري المليء بالمفاتن هو نفسه محور بشارتها إلى جانب هجماتها الغاضبة على الأسس الثقافية للعصر الصناعي وعلمانيته، وكانت تلك البذور التي ولدت البراعم لحركة العصر الجديد التي أطلق الكاتب على أنصارها تسمية البيئيون اللاهوتيون الذين عملوا على إغراق المجتمع في مرحلة القرون الوسطى قائلاً:
(ليست المشكلة لدى هؤلاء بيئية بالدرجة الأولى، بل هي دينية الطابع إذ يحاولون العودة بعلاقاتنا الطبيعية إلى المجاز التوراتي). ومن منظّريهم (رودولف باهرو، وولفغانغ زاكس، إيفان اليتش).
ولدى هذه الحركة معتقدات لا حصر لها في بحثها الأساسي عن المقدس، وتحدث عن مجموعات كثيرة متباينة ومتخاصمة، وتكنّ عداءات بغيضة لغيرها، ولكنها كهيبيين ووثنيين ومسيحيين انضمت جميعها للهجوم على مجتمع يتنكر لقيمه الروحية- حسب وصفه- واستكمل تغطية عقدي الثمانينيات والتسعينيات بميزة صعود الدين الإسلامي المرتبط بأصولية قصوى،
ويمر مروراً باهتاً بمشايخ النفط الخليجي والأصولية الوهابية التي راحت تلسع الأطراف الجنوبية للاتحاد السوفيتي السابق، وبأصولية يهودية، وتطرف هندوسي، ويعود للربط بين هؤلاء قائلاً: (إن ما نشاهده هجوم منظم، تعتيم في سماء وأفكار عصر الأنوار، والجميع- مسيحيين وأتباع العصر الجديد ويهوداً ومسلمين- يتفقون في نقطة عدائهم للعلمانية)، فهم (عملاء عصر الظلمات الجديد).

في هذا السرد التاريخي السؤال الأهم المطروح أننا فعلاً نعيش عصر ظلمات جديد ولكن من هم جُناته الأصليون؟ هل هم أتباع وعملاء عصر الظلمات الجديد المشار إليهم رغم تراثهم العائد فعلاً من الظلمات؟ وإن صح ذلك كيف أمكن لقوى منسية، مفلسه، غائبة عن مسرح الحضارة، فاقدة للفعالية الفكرية ولأي إمكانية للتطور ولمواجهة العقل العلمي للأنوار منذ قرون، أن تعود فجأة بقوة لتشكل تهديداً مباشراً لديمقراطية القرن الحادي والعشرين؟ وهل تختصر كل منجزات علمانية عصر الأنوار بمقولة وحيدة بعنوان الديمقراطية؟

لا شك أن كماً كبيراً من التضليل يكمن في وقوف الكاتب في مكان يتقدم خطوة على مثالية القوى الدينية الأصولية، ويتأخر خطوة عن تقدمية العقل العلمي للأنوار، والحقيقة أن القضاء على هذا العقل العلمي التقدمي يبدأ من موقع الكاتب نفسه وهو وراء ماركس، فأول وأهم خطوة فكرية رجعية باتجاه عصر الظلمات الجديد قد بدأت من هذا الموقع، ومنه بدأ الهجوم على الأنوار بما يميز الماركسية خلافاً لكل النظرات الفلسفية الأخرى من فهم مادي للتاريخ لا يتفق كما يقول لينين مع أي ضرب من الأوهام،
كما أكد أن مادية الفلسفة الماركسية هي الوحيدة الأمينة للعلوم الطبيعية، ولذا بذل أعداؤها كل قواهم لدحضها والافتراء عليها، ودافعوا عن شتى أشكال المثالية الفلسفية (مصادر الماركسية الثلاثة ومكوناتها الثلاثة- مختارات ج1 ص29) والحقيقة أيضاً أن الكاتب ألفن توفلر لم يدحض ويفتري فقط،
بل ألغى ماركس بالكامل من ذاكرة الأنوار المقتصرة عنده على الديمقراطية، في محاولة للثأر من إنهاء ماركس للفلسفة الكلاسيكية الألمانية، وهذه هي مرجعية فوكوياما التي استند إليها فيما بعد في كتابه (نهاية التاريخ والإنسان الأخير) الذي يعد بمثابة محاولة تفجير جبانة لمقالة ماركس التاريخية الشهيرة (لودفيغ فيورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية).
فماركس الذي دفع بمادية القرن الثامن عشر إلى الأمام بإغنائها بالديالكتيك الهيغلي الذي قاد إلى مادية فيورباخ، وقد تحررت بفضل ماركس أيضاً من ضيق الأفق ووضعت في مجرى التطور الدائم، كان العائق الأكبر الذي اعترض الردات الجديدة نحو المثالية القديمة المهترئة، ففي عالم من دون ماركس فقط يمكن لحراس الإمبراطورية بعث الحياة في مومياءات التطرف الديني وإعادة العالم إلى الظلمة عن طريقها،
ومع هيغل يمكنهم تأمين الحماية الفكرية لإمبراطوريتهم، لأن منهجه المرفوع حسب تعبير ماركس إلى مصاف الفلسفة الملكية التي أشاعت الغموض بين الناس هو بركة فلسفية للاستبداد، والفكرة المطلقة عنده لا تتحقق إلا في ظل سيطرة الطبقات المالكة،
وهو ما يكفل لمفكري ما بعد الحداثة ما يكفي من مبررات الهيمنة على العالم، وجعل الثقافة تدور في حلقة مفرغة إلى ما لا نهاية، ووقف عجلة التطور والعودة إلى ظلمات الماضي.

أمام حقيقة الشرعية التي تمنحها الهيغلية لهيمنة الإمبراطورية تبدو إشارات ألفن توفلر إلى دور في إحياء وتحريك القوى الأصولية خافتة وعابرة وضبابية في قوله (امتلك الدين المنظم احتكار وتوزيع المعلومات قبل عصر الأنوار، واليوم ثمة قوى فاعلة تحاول إحياء هذه السلطة الاحتكارية على العقول)، دون تحديد من هي هذه القوى بالضبط؟ والأمر نفسه ينطبق على قوله
(يتكاثر المتعصبون الذين يحاولون بضراوة إحياء سيطرة ثيوقراطية على العقول والعادات،في حين يحاول آخرون تقديم دعم غير واعٍ لهم)
دون تحديد من هم هؤلاء الآخرين؟ وذلك يصب في خانة الإيحاء بتطور طبيعي مفترض للقوى الرجعية وتضخيم حجمها والمخاطر الملازمة لحضورها، وهو الهدف نفسه الذي سعى إليه من وراء ربط صعود الحركة الهيبية بجذور نازية تعود لعقود قبل الثورة الطلابية، وكذلك تغييبه المتعمد للمعلومات الخاصة بالوهابية،
وهي أقدم جذور للإرهاب الوحشي والتطرف، وتشكل اليوم أخطر ما يواجه عالمنا مع أن الوثائق الخاصة بدور المخابرات البريطانية بتشكيل جماعاتها الأولى في تاريخ قريب من تاريخ نشوء حركة (فاندر فوغل الهيبية اللمانية) باتت مكشوفة منذ زمان طويل ومعروفة للجميع، وكان بإمكان الكاتب أصلاً تحديد من نظم صعود القوى الدينية الرجعية والهدف منه، فلا ضير من كشف فساد الإمبراطورية ما دام هذا الفساد مبرراً في الفلسفة الهيغلية.

 إن العامل الأصل في التغيير بمنطق هيغل هو المعرفة، وحسب هذا المنطق اللامادي فامتلاك حراس الإمبراطورية للمعرفة ووسائل إنتاجها والتحكم بها وإدارتها يمنحهم الحق المطلق والإمكانيات والقدرة على إحداث التغيير في المجتمع الإنساني، بغض النظر عن وجهة هذا التغيير الرجعية وكلفته من حياة البشر وأمنهم وحقوقهم،
وعبر هذا المنطق تحل الثورة المضادة محل الثورة، ويصبح من يجب أن تقوم الثورة ضدهم ثواراً، وتلصق على جدار التاريخ صورة جورج بوش الابن فوق صورة غيفارا.

حين تقلصت حركة الهيبيين في الثمانينيات من القرن الماضي إلى بؤر صغير نائية تكتفي خفافيشها بالانطواء داخل غمامة من دخان الماريغوانا بعيداً عما يجري في المجتمع وعن منتجات التكنولوجيا وعن أرباب المصانع والبنوك والتجار، كان ألفن توفلر وزوجته يسجلان الملاحظات الأولية لكتاب (تحوّل السلطة) ويدققان بكل شاردة وواردة في أماكن مختلفة من العالم، من أجل صياغة مستقبل آمن للإمبراطورية عن طريق تدمير مستقبل دول العالم بأسره،
وكان يتناوب هانتنغتون وفوكوياما على مراكز القرار وتخطيط السياسات الخارجية والأمنية، وكان الدكتور جين شارب الأب الروحي للفوضى الخلاقة ينشئ معهد ألبيرت أينشتاين المتخصص باستخلاص نتائج تجارب التحكم النفسي وتدريب دفعات متتالية من العملاء والمرتزقة المجهزين لتدمير الدول وتمويلهم وتخريجهم،
وكان الملياردير الأمريكي الصهيوني جورج سورس يمول دور النشر والكتاب المأجورين المعادين للفكر الماركسي، وكان (عميل النفوذ) غورباتشوف يتحضر لتفكيك آخر قلاع الأنوار. ويذكر أن الولايات المتحدة في ذلك العقد المشؤوم خصصت أموالاً طائلة لوضع المخططات الاستراتيجية المعادية للماركسية ومجمل حركة التحرر الوطني،
وكانت تعمل لهذا الغرض 170 جامعة و200 قسم جامعي متخصص بمختلف طرق تحطيم الشيوعية وتعويم القوى والعصبيات الدينية الرجعية وتعبئتها ضدها، والتشكيك بفلسفة الأنوار وفكر التقدم ومنطقه.

تمت قراءته 220 مرات