العدد:783
تاريخ: 20/ 9/ 2017
 

المشترك الإنساني وفتنة الحكاية ..(ألف ليلة وليلة) في ملتقيات دمشق الثقافية

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

جرى اختيار مدوّنة (ألف ليلة وليلة) موضوعاً للنقاش في ملتقيات دمشق الثقافية، بوصفها إحدى أهم السرديات العربية التي ساعد انحلالها على نشوء الرواية العربية، الفن الذي أصبح ديوان العرب بفضل تلاقح الشكل الغربي للرواية مع المحتوى الشرقي.
تأتي أهمية هذا العمل من عدة نواحٍ أهمها:
1- البنية الحكاية التي اتصفت بها الليالي، وقدرتها على شد المتلقي بما تحققه له من متعة وفائدة، فهي لم تفتن شهريار وحده، وإنما أغوت غيره من القراء والمتعطشين إلى سحر الحكاية.
2_تأثير هذا العمل في الأدب العالمي، فقلّما نجد أديباً عالمياً مشهوراً إلا واطلع عليه وأشاد به واعترف بفضله عليه في تنمية قدراته الإبداعية، بدءاً من غوته الألماني، إلى بوشكين الروسي، فهيغو الفرنسي إلى برنارد شو الإنكليزي، وإدغار آلن بو الأمريكي، فبورخيس الأرجنتيني، وغيرهم كثر من أدباء العالم الذين سحرهم الشرق من خلال تخييل حكايات ألف ليلة وليلة.
3- ولأننا نتوخى من ملتقياتنا الثقافية التأكيد والتركيز على الانفتاح الثقافي والمعرفي رأينا في مدونة (ألف ليلة وليلة) نموذجاً فريداً للتعبير عن التواصل الثقافي بين الشعوب، وأهمية المبادلات الثقافية، والتأكيد على المشترك الإنساني في الثقافة العالمية، فعلاوة على الاختلاف حول مكان الليالي وزمانها وكتابتها،
فهي تدل على التنوع، وتؤكد على حوار الثقافات وتواصلها وإغنائها، فكل من اطلع على المدونة في الماضي لا شك أنه أضاف إليها عبر تجربته الحياتية وخبرته الإبداعية ما يغنيها ويجعلها ثمرة مخيلة جمعية، وإن جسدت الحالة العربية (بغداد) خصوصاً، ففيها ما يعبر عن أمكنة مختلفة وأزمنة متعددة.
4- تؤكد مدونة الليالي أن العرب قادرون على تقديم إنجازات أدبية رفيعة جديرة بالمساهمة الفعالة في تشكيل أدب عالمي ذي محتوي إنساني،
فقد أصبحت شهرزاد رمزاً للتضحية من أجل خلاص بنات جنسها من الذكورية المستبدة، فقد غيرت الطاغية شهريار بقدراتها الحكائية، وبتعددية الأجواء المتخيلة التي عاشها الملك من خلال سرد شهرزاد.
5- في المدونة ما ينفي أن العرب شعوب بدائية متوحشة بعيدة عن الحضارة،
فالليالي خير دليل على المدنية وعلى دور التجارة في التقدم الإنساني (السندباد)، فأساس المدن العربية تجاري، ودور العرب معروف في التجارة العالمية.
6- يمكن لنا أن نقول إن الليالي قد سبقت أدب أمريكا اللاتينية في اكتشاف الواقعية السحرية،
وفي تقديم الغرائبي والعجائبي من بساط الريح إلى علاء الدين والفانوس السحري إلى طير الرخ إلى مغامرات السندباد البحري..
صحيح أن ذلك لم يشكل منهجاً وطريقة متكاملة في حكائيتها، إلا أنها دون ريب قدمت مساهمة واضحة على هذا الطريق، لذلك أعجب بها أدباء أمريكا اللاتينية وفي مقدمتهم بورخيس وماركيز.
7- في الليالي نطالع التعددية والتنوع بكل تجلياتهما،
ليس الأمكنة والأزمنة فحسب، وإنما في مستويات الحكي (السرد) وفي الشخصيات، وفي تقاليد الشعوب وعاداتها، وفي تعالق الواقعي مع المتخيل، فقد وفّقت الليالي في نقل حرارة الواقعي دون أن تتنازل عن متعة المتخيل.. وفي القدرات التخيلية لليالي ما يرد على ادعاء القصور والعجز في المخيلة العربية بالارتفاع عن الواقع وشدة التصاقها به.

لعلنا في ملتقانا الثقافي السردي نقدم قراءة معاصرة تساهم في إغناء هذا العمل الذي أهملته الثقافة العربية الرسمية، لكنه أخذ شهرته وانتشاره بعد أن عاد إلينا مشبعاً بإعجاب أدباء الغرب وخطبائه ومفكريه به، وفي هذا دليل على أهمية فعل المثاقفة والانفتاح الثقافي، وتأكيد لا يقبل الدحض على أن الثقافة فعل إنساني خلاق تساهم في صياغته كل شعوب العالم على اختلاف مواقعها الجغرافية ومستوياتها الثقافية.
فالثقافة المنغلقة على نفسها، المتقوقعة على منجزاتها، تحكم على نفسها بالموت، فالحياة في الحرية والانفتاح والتعدد.

تمت قراءته 191 مرات