العدد:773
تاريخ: 21/ حزيران/ 2017
 

محاولة لملاقـاة الآتي...الرغيف.. والديمقراطية والحوار القديم.. الجديد

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

 الديمقراطية..أم الخبز؟ هل يحفل الجائعون بالحقوق الدستورية ويتدفقون إلى الشارع مطالبين بالديمقراطية، أم أن هذا ترف لم يتوصلوا إليه بعد، مقارنة بحفنة من الأرز أو القمح لإسكات البطون الخاوية..؟ هل يمكن تحقيق التنمية الاقتصادية بوسائل ديمقراطية، أم أن الأولوية هنا لتأمين حاجات الناس المعيشية..؟ هذا جدال قديم.. جديد، نظريات وضعت.. وأخرى شاخت، لكن الحوار مستمر، وأنصار كلا الاتجاهين يسوقون مبرراتهم.

اليأس يطارد ملايين الفقراء في الهند ويدفعهم الى الانتحار بعد عجزهم على توفير قوتهم اليومي، والبعض يغامر بالدخول إلى غابة مليئة بنمور البنغال التي تفترس منهم حوالي 100شخص سنوياً، للحصول على العسل البري لقاء بضعة دولارات يبتاعون بها ما يسد رمقهم، لكن هؤلاء المعدمين أعطوا للعالم أجمع درساً في الديمقراطية، يوضح أهمية الحريات السياسية حتى للفقراء والدول الفقيرة حينما امتنعوا في منتصف سبعينيات القرن الماضي عن منح التأييد لرئيسة الوزراء أنديرا غاندي في الاقتراع الذي طلبته لفرض حالة الطوارئ ومعالجة القضايا الاقتصـادية، فرغم فقرهم وافتقادهم لأبسط مقتضيات الحياة تمسكوا بالحريات ورفضوا حالة الطوارئ. (راجع إماراتيا صن - التنمية حرية).

عندما تسلمت (تاتشر) السلطة في بريطانيا عام 1979 كان خُمس السـكان يتمتعون بنسبة 43 % من الناتـــج الوطني، وفي عام 1996 عندما هُزمت حكومة المحافظين كان 2,6 % من السكان الكبار يسيطرون على 50% من الدخل الوطني، وارتفع عدد الأُسر تحت خط الفقر بنسبة 60%، وأصبحت المملكة المتحدة تضم أكبر نسبة من الأطفال الفقراء في أوربا بزيادة (300) ألف طفل عن عام 1979.

وفي الولايات المتحدة ذهبت 97 % من الزيادة في الدخل خلال الأعوام العشرين الماضية إلى أغنى20% من العائلات، وهبط معدل الكسب لدى الخمس الأفقر من العـمال إلى 44 %، وهناك الآن 5,36 مليون أمريكي أي 7,13 % من السكان يعيشون حياة فقيرة، ومعدل البطالة في المحميات الأمريكية (الهنود الحمر) يصل إلى 70 %، ولا يستفيد من منح البطالة اليوم سوى 29% من العاطلين عن العمل، بينما كانت 70 % في عام 1986. (الايكو نوميست 8/3/1999)

ماذا فعلت الديمقراطية لهؤلاء الفقراء في الهند وبريطانيا والولايات المتحدة، يطرح أنصار أولوية التنمية السؤال..؟

أما في مجموعة كبيرة من البلدان التي تراجعت فيها الحريات الديمقراطية إلى الصفوف الخلفية، وبضمنها بلدان الأسرة الاشتراكية السابقة وعدد من البلدان الآسيوية، فقد تحققت معدلات نمو عالية وفق خطة مركزية بغياب المعارضة السياسية والنقابية، وجرى تأمين حاجات الناس المادية والروحية، وتطورت وبسرعة قياسية صناعات جديدة.. واستخدام مكثف لثروات البلاد، وتراجعت إلى حد كبير بؤر الفقر، وقفزت تلك البلدان لتحتل الصدارة في أنشطة الاقتصاد العالمي، متقدمة على كثير من الدول الديمقراطية، وتمتع المواطن في تلك البلدان بمستوى معيشي مقبول رغم افتقاره إلى أنظمة ديمقراطية وحريات سياسية، وبرزت في الدول الآسيوية من هذه المجموعة الصين.. وسنغافورة التي استهدت بنظرية (لي) للتنمية التي وضعها ديكتاتورها السابق (لي كوان) وهي تتلخص بأن الحرية والحقوق تعيق النمو الاقتصادي والتنمية، ولابد من إحداث القفزات التنموية بقوة السلطة والاعتماد علــى الخطة المركزية وتغييب المعارضة السياسية والنقابية، الأهمية هنا لتحسين أوضاع الناس، وتحقيق معدلات نمو قياسية.

ولكن أين أصبحت تلك الأنظمة.. هنا يطرح أنصار الديمقراطية السؤال..؟ لقد انهارت الدول الاشتراكية، وتهاوى جدار برلين، وأصبحت الديمقراطية سيدة الموقف.

نوضّح أن الديمقراطية ليست هي الباعث الرئيسي لهذا الحوار، على اعتبار أن وجود الحرية هو القاعدة، أمـا افتقادها فهو الاستثناء. وبنظرة سريعة إلى تاريخ الدول الأوربية الأكثر تطوراً من الناحية الاقتصادية وإلى الأنظمة السياسية السائدة فيها، يمكننا قطع حوارنا بالقول الفصل -كضربة سيف- بأولوية الديمقراطية... كذلك الأمر لو انتقلنا إلى الدول الفقيرة أو النامية والتي يفتقد الناس فيها أبسط ضرورات الحياة كالعمل والتعليم والسكن، فسنجد تراجعاً لمفهوم الحرية، فالأولوية هنا لإشباع حاجات الناس المعيشية والمادية،لكن القضية أعقد من ذلك بكثير ولا يجوز حلها بأجوبة جاهزة أو تحليل مبسط، فكلا المثالين يتضمنان تناقضات يصعب معها استعجال المواقف، ولابد من تقديم المؤيدات التي يستند إليها كل طرف.

أنصار أولوية الديمقراطية يعتقدون بأن :

1 - الديمقراطية أنتجت في الماضي تطوراً اقتصادياً هائلاً استناداً للمفاهيم التي ترتكز على الحرية الفردية المنبثقة من الدستور، إضافة إلى حرية ممارسة النشاط الاقتصادي للجميع، لذلك لا بديل للحريات السياسية وحريـة الأسواق للبلدان النامية إذا ما أرادت تنمية اقتصاداتها.

2 - إن الأسواق تخلق الظروف الأساسية للحرية الفردية، إذ الأسواق هنا أكثر أهمية للديمقراطية من دستور الدولة، وإن أي محاولة لتصحيح قوى السوق تعني قمع الحريات. إن الحكومات غير معنية بإنتاج السلع والخدمات، بل عليها (واجبها) مراعاة دوران عجلة الإنتاج والخدمات وضمان حرية الأسواق دون تدخل أجهزة الدولة، إن اقتصاد السـوق والديمقراطية هما أساس التنمية في الدول الفتية.

3 - إن العدالة الاجتماعية فكرة غير مترابطة، ولا تتحقق عن طريق الدولة، بل عن طريق التحرك صعوداً في الهرم الاجتماعي واكتساب الممتلكات، إذ تتوفر هذه الإمكانية من خلال السوق لمن تتوفر لديهم إرادة النجاح وعزيمة المنافسة، والديمقراطية وحدها تخلق نمطاً تنموياً حراً.

4 - إن الديمقراطية تتيح للدول النامية إمكانية اختيار الوسائل الكفيلة بتجاوز تخلفها الاقتصادي بشكل حر بعيداً عن مصالح الفئات الطفيلية ومافيات الأعمال واقتصاد الظل الذي ينمو في ظل الأنظمة الشمولية، إذ تنعدم رقابة المجالس التمثيلية وهيئات المجتمع المدني على خطة الدولة الاقتصادية، إن الثروة وسيلة للحصول على قيم أنبل.. إنها حرية التمتع..حرية اتخاذ القرار، إنها الحرية السياسية.. وحرية النشاط الاقتصادي، إن النمو وإمكانية المشاركة في النظام الاقتصادي العالمي يفترض الأسواق والحريات بغض النظر عن تدهور الأوضاع الحياتية والفقر السائد في الدول النامية، فالنظام المستبد غير مجدٍ اقتصادياً، ولا يستطيع تحقيق النقلة الضرورية(التنمية) والانطلاق إلى مجتمع الرفاه.

(راجع أنطوني غيدينز- بعيداً عن اليمين واليسار، وفريدريك هاييك - النظام والتحكم)

الفريق الآخر لا يتنكر لمفهوم الديمقراطية لكنه لا يعتبرها سلعة تصدر وتستورد، خاصة بعد عولمة الاقتصاد وتقدم الليبراليين الجدد بنظرياتهم المثيرة للجدل حول التنمية الاقتصادية على الصعيد العالمي، وشروطهم وبرامجهم المغرقة في ليبراليتها لمساعدة تلك الدول بشرط تحولها إلى اقتصاد السوق الحر، وإلغاء أنظمتها الاجتماعية والرعائية، ويطرح أنصار هذا الفريق أهمية توفر مجموعة من الشروط التي يجب أخذها بعين الاعتبار عند بحث الديمقراطية، ومن أهمها:

1 - التخلف الاقتصادي الناجم عن قرون الاستعمار الطويلة يجعل من المستحيل تطبيق الديمقراطية في بلد يعاني من فقدان ضرورات الحياة للغالبية العظمى من مواطنيه، فما نفع الديمقراطية دون المأكل والملبس والسكن، إن الأولوية هنا لتلبية المتطلبات الملحة لحياة الناس، وهذا هو الهدف من تحقيق التنمية الاقتصادية.

2- إن الديمقراطية ترتبط بالإرث الاجتماعي والثقافي والديني لكل شعب، وبالطريقة التي يدير بها سياسته الاقتصادية، ولا يجوز هنا التعميم ونقل التجارب دون أخذ الفوارق بين الشعوب بعين الاعتبار، فالجائع في الدول الإفريقية الفقيرة الذي يتلقى المعونات الغذائية من المنظمات الإنسانية، تشكل الديمقراطية بالنسبة إليه مطلباً من الدرجة العاشرة.

3 - في البلاد المستعمرة سابقاً، والتي تركها المحتل غارقة في الفقر والبؤس، ليس للحرية جاذبية رغيف الخبز.. فسنغافورة المتعددة عرقياً ودينياً، وحديثة العهد بالاستقلال، تدين بنهضتها الحديثة لشخصية زعيمها (لي كوان يو) الذي أخرج سنغافورة من محنتها باتباعه سياسات حازمة وصارمة خلقت له الكثير من المتاعب مع أنصار الديمقراطية الأمريكية ومنظمات حقوق الإنسان، لكنه بالمقابل غرس في نفوس مواطنيه قيم الإحساس بالواجب والالتزام والجدية في العمل والتسامح الديني والإثني بين مختلف مكونات الشعب، وكان حريصاً على الكرامة البشرية، فحارب الفقر بالدرجة نفسها التي عارض فيها نفوذ أمريكا، وجعل لكل مواطن بيتاً بدل أن يكون لكل ألف مواطن كوخ من الصفيح، وقضى على التسيب وتعاطي المخدرات الذي كان متفشياً في سنغافورة بشكل مرعب، واستطاع خلال ولايته التي استمرت أكثر من ثلاثين عاماً أن يحول سنغافورة من مجرد ميناء مزدحم يعج بالفقراء إلى بلد ثري وصناعي متقدم يتمتع بطرق مواصلات جيدة وشبكة سكك حديدية ممتازة، وبفضله تحولت سنغافورة في العقود الأخيرة إلى مركز من أهم المراكز التجارية في العالم، وشوارعها أكثر نظافة من شوارع مونت كارلو، ومبانيها أكثر حداثة من ناطحات نيويورك. وهي من أكثر بلدان الأرض أمناً، ومن أكثرها اطمئناناً، وهي نموذج في المحافظة على البيئة ومثال في المحافظة على مستوى المعيشة، وتحولت سنغافورة في عهد (لي كوان) إلى أنشط ميناء بحري في العالم، وثالث أكبر موقع لتكرير البترول، ومركز عالمي رئيسي للصناعات التحويلية والخدمات، وارتفع المتوسط السنوي لدخل الفرد الحقيقي فيها من أقل من 1000 دولار أمريكي إلى قرابة 000,30 دولار أمريكي خلال ثلاثة عقود فقط.

4- لقد برزت في الدول الديمقراطية الكبرى ديكتاتورية لا تقل بطشاً عن الديكتاتوريات التي تسود في الدول النامية والمتخلفة، وهي ديكتاتورية الشركات الكبرى المتعددة الجنسيات، التي أخضعت الدولة لقوانينها، وحولتها إلى حكومة صغيرة بعد أن فقدت إمكانية التأثير على المؤشرات الاقتصادية مما عرضها لاضطرابات شديدة ساهم بها المتضررون من العمال وأصحاب الدخول المنخفضة والطلاب احتجاجاً على البطالة وتقليص الدعم وابتعاد الدولة الديمقراطية عن دورها الراعي والضامن لمجتمع الرفاه لصالح حفنة من أصحاب المليارات . (راجع السيطرة الصامتة، نورينا هيرتس).

(طالبنا بالديمقراطية.. لكن ما حصلنا عليه هو السوق الريعية)- كتابة على أحد الجدران في بولونيا.

الحوار مستمر.. والحياة تقدم شواهد جديدة تؤكد.. أو تنفي مبررات أنصار النظريتين، لكن شعوب العالم، ومن خلال تجاربها، قادرة على إيجاد طريقها إلى الديمقراطية.

تمت قراءته 124 مرات