العدد:768
تاريخ: 10/ أيار/ 2017
 

حول الأزمة.. وإعادة اللحمة إلى النسيج السوري

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

مما لاشك فيه أن الأزمة السورية بمختلف آثارها قد خلقت واقعاً جديداً مليئاً بالإشكاليات والتحديات التي تشكل خطراً على بنية المجتمع السوري ووحدته ومستقبله، إذا لم نتعامل معها تعاملاً جدياً وحازماً ومن منطلق المسؤولية الوطنية.

ولعل أكبر تهديد لمستقبل وطننا يكمن في حالة التخلخل التي أصابت جزئياً وحدة النسيج السوري، وزعزعت حالة التعايش والانسجام التي كانت موجودة في سورية. إن الأزمة السورية هي وليدة المؤامرة من دون شك، غير أن هذه المؤامرة ما كانت لتنجح بهذا الشكل لولا وجود جملة من الإشكاليات البنيوية التي اعتمدت عليها القوى المتآمرة في حربها على سورية، ولعل أهم هذه الإشكاليات هي حالة الضعف التي تسربت إلى بنية المجتمع على مدى أعوام طويلة، وكانت نتيجة جملة السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي اتبعت آنذاك.

واليوم ونحن نعيش في ظل الأزمة لابد لنا أن نعترف بأخطاء الماضي، وأن ننظر إلى المستقبل بعين ناقدة لكل ماضينا بسلبياته وإيجابياته، من أجل إيجاد الحلول لمجمل التحديات التي تعترضنا، والتي تتصدرها مسألة إعادة اللحمة إلى النسيج السوري، التي تعد أولوية، لأنه من دون معالجة هذه الإشكالية ستبقى ذيول الأزمة كامنة في العمق، الأمر الذي سيشكل خطراً كبيراً على مستقبل سورية دولة وشعباً.

إننا ندرك أن تحقيق ذلك يتطلب زمناً، ولا يمكن تطبيقه بقرار سياسي أو بمجرد الرغبة في ذلك، وإنما يقتضي جهوداً كبيرة من أطياف المجتمع السوري كافة، وعلى كل المستويات ومن خلال مختلف المؤسسات والمنظمات والهيئات. ومما لاشك فيه أن المبادرة الرئيسية في هذا المجال تقع على عاتق الدولة، التي يتحتم عليها باعتبارها الطرف الأقوى تمهيد الطريق عبر تطبيقها لجملة من السياسات هدفها الرئيسي تطوير المجتمع باتجاهين أساسين: اتجاه أفقي متوازن، واتجاه شاقولي، والعمل على إعادة الثقة بالدولة كضامن اجتماعي يحمي حقوق المواطنين السوريين كافة، ويكرس مبدأ المواطنة من خلال موقف الدولة الحيادي الذي يضعها على بعد متساوٍ من كل فئات المجتمع، على اختلاف انتماءاتهم السياسية والإثنية والطائفية، وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا بسيادة القانون وتطبيقه بشكل فعلي على الجميع دون تمييز، الأمر الذي سيؤدي في النهاية إلى بناء الدولة الديمقراطية المدنية التي يسود فيها مبدأ فصل السلطات بصورة حقيقية، وتتمتع بدستور حديث يضمن التمثيل الحقيقي لكل المواطنين.

إن إعادة دمج المجتمع السوري بكل مكوناته معاً ليست مسألة بسيطة، بل هي مسألة معقدة تتداخل فيها السياسة الاقتصادية مع الاجتماعية والتربوية والثقافية، وإن أي تقصير في إحدى هذه السياسات سيؤثر سلباً على عملية الدمج المنشودة، فالسياسة الاقتصادية مثلاً يجب أن تكون داعمة لعملية إعادة اللحمة بين السوريين، من خلال التوجهات المتبعة والتي كلما استطاعت أن تستوعب في إطارها شرائح أكبر من الناس وأن تربطهم بعجلة الاقتصاد، لعب الاقتصاد دوراً أكبر في ربط السوريين فيما بينهم بشبكة من العلاقات الاقتصادية التي تشكل الأساس المتين للنهوض بالدولة السورية، ولكي يتحقق ذلك من الضروري أن تكون التوجهات الاقتصادية غير فئوية، ومتوازنة وأن تأخذ بعين الاعتبار مصالح الفئات الاجتماعية المختلفة بحيث يشعر أطياف الشعب السوري كلهم بأنهم مستفيدون من هذه السياسة، وأنها تعود عليهم جميعاً بالمنفعة، وأنها ليست حكراً على شريحة من المجتمع دون سواها، كما يجب إعادة النظر في المسألة الزراعية، فحدة الأزمة في الريف السوري كانت نتيجة عدم وجود الخطط الجدية التي تحقق التوازن والاستقرار، وترفع من مستوى الريف وترفده بالكفاءات والتقنيات الحديثة، الأمر الذي دفع بجموع الشباب للهجرة من الريف إلى المدينة بحثاً عن فرص تضمن حياتهم وعيشهم الكريم. إن إعادة الدعم للقطاع الزراعي مسألة على درجة بالغة من الأهمية نظراً لما يرتبط بهذه القضية من ضمان لسيادة القرار الوطني من خلال تحقيق الأمن الغذائي الذي تطمح له كل الدول.

ويمكن معالجة هذه المسألة بوضع خطة استثمارية تساعد على تشجيع الاستثمار المضطرد والمتوازن في الأرياف والمدن على حد سواء، وفي المجالين الزراعي والصناعي اللذين يشكلان الأساس في تحقيق النمو والتنمية المستدامة، مع تأمين كل الظروف الملائمة لنشاطه وبالدرجة الأولى الظروف القانونية والدستورية، آخذين بعين الاعتبار دور الدولة في تحديد اتجاهات هذا الاستثمار بحيث يضمن خلق قاعدة إنتاجية تشكل الأساس في نهضة الاقتصاد السوري وتطوره من خلال التركيز بالدرجة الأولى على القطاعات التي تعتمد في إنتاجها على ما هو متوافر في الداخل السوري، وتمتلك المقومات التي تسمح لها بالمنافسة على المستوى العالمي، واعتماد سياسة حمائية لها إلى حين تطورها لتصبح قادرة على المنافسة. وهناك مسألة أخرى على درجة بالغة من الأهمية يمكن للدولة إذا استثمرت فيها بالشكل الصحيح أن تساعد في عملية الدمج، وهي مسألة إعادة الإعمار التي ستسمح في حال جرى الاستثمار فيها بالشكل الصحيح بأن تدفع عجلة الاقتصاد وتسرّع في إعادة اللحمة بين السوريين وتؤمن فرص عمل لقطاعات واسعة من الجيل الشاب، مع التأكيد أن تتحقق هذه العملية بشكل عادل يسمح لكل السوريين وخصوصاً المتضررين منهم بالاستفادة منها، مع ضرورة الحد من الهدر الكبير، ومكافحة أنماط العمل الطفيلية غير الإنتاجية.

إن كل الإجراءات السابقة لابد أن تترافق أيضاً بإجراءات رديفة في الشق الاجتماعي، فالمسألتان الاجتماعية والاقتصادية مرتبطتان ارتباطاً عضوياً، وعدم انعكاس الإجراءات الاقتصادية على المسألة الاجتماعية سيعيق بشكل كبير عملية الدمج المنشودة، وبالتالي لا بد من أن تكون الإجراءات الاقتصادية مؤثرة بحيث تنعكس على السياسة الاجتماعية المتبعة وتجعلها متوازنة، وأكثر ارتباطاً بالمواطن، وأكثر قدرة على معالجة المشاكل الأساسية التي أفرزتها الأزمة، والتي عكست منذ البداية أزمة اجتماعية واضحة تمثلت بالهجرة الواسعة غير المدروسة من الأرياف إلى المدينة نتيجة ضعف فرص العمل في الريف، وازدياد نسبة البطالة والفقر، وظهور العشوائيات في المدن التي شكلت كانتونات مغلقة وبيئة حاضنة لتغلغل الأفكار المتطرفة، وغيرها.

 إن المرحلة القادمة تتطلب على الصعيد الاجتماعي من أجل إصلاح حالة التمزق التي تعرض لها الشعب السوري، ومعالجة مجمل المفاهيم والأنماط الثقافية التي أفرزتها الأزمة اتباع الدولة لسياسة بناءة تتسم بما يلي.

* فسح المجال لمنظمات المجتمع المدني والنقابات لأخذ دورها الريادي في المجتمع، وفصلها عن السلطة السياسية، بحيث تمارس عملها في فضاء حر يضمن قيامها بدورها الاجتماعي، ويعزز ارتباط المواطن بالدولة، ويسمح لها بالتعبير عن مصالح الفئات الاجتماعية التي تمثلها، إن هذه الهيئات في حال توفرت الشروط المذكورة أعلاه ستساعد حكماً في رفد الدولة بجملة من العتلات الإضافية التي تساعد الدولة في رسم سياساتها الاجتماعية بشكل سليم من خلال برامجها التنموية، فمسؤولية إعادة اللحمة إلى النسيج السوري كما قلنا سابقاً هي مسؤولية جماعية وليست مسؤولية الدولة فقط.

* تخليص المجتمع السوري من الكانتونات المغلقة، من خلال:

* اتباع سياسة توظيفية تعزز دور المواطنين إنتاجياً وتؤمن بيئة عمل متنوعة اجتماعياً، وتطبيق مبدأ تكافؤ الفرص.

* إحداث توازن اجتماعي من خلال تطور متناسق في جميع أنحاء البلاد بشكل يؤدي إلى الحد من الهجرة العشوائية من الريف إلى المدينة، ويضمن الاستقرار الداخلي من خلال تطوير البنية التحتية بصورة متناسقة في جميع المناطق.

* وضع منظومة للتشريعات العمرانية من أجل تخطيط وتوجيه عمليات التنمية العمرانية، وما يتعلق بها من تنمية اجتماعية، مع التركيز على تحسين كفاءة البيئة العمرانية، وذلك بموجب ما تتميز به القوانين أو التشريعات العمرانية من تأثير على الأفراد والمجتمعات، إضافة إلى تطوير البرامج والخطط التنموية المؤدية إلى إحداث التغير والتطور في البيئة العمرانية والعلاقات التكاملية بينها وبين الاعتبارات الاجتماعية.

* الاهتمام بخدمات الضمان الصحي والاجتماعي، وضرورة العمل على تقليص البطالة.

* الاهتمام بالمرأة السورية وإعادة الاعتبار لها، وتفعيل دورها في مختلف المجالات.

إن إحدى أكبر المشكلات التي كان لها الدور الأكبر في تغلغل الفكر الديني المتطرف إلى عقول شبابنا الناشئ هو ذلك التفريغ للمسألة التعليمية من محتواها الرئيسي، نتيجة تغليب المسألة الإيديولوجية على الهدف الأساسي وهو خلق جيل قادر على التحليل والتفكير بشكل مستقل وحر بعيداً عن القوالب الفكرية الجاهزة والجامدة. لقد وقع جزء كبير من الشباب السوري في مصيدة التطرف، عندما ابتعدت الدولة في المسألة التعليمية عن دورها التربوي والتنويري، وفصلت المسألة التعليمية عن الجانب الاقتصادي الاجتماعي، وركزت على التوسع الأفقي وسياسة الاستيعاب دون الأخذ بعين الاعتبار نوعية التعليم والتوسع الشاقولي وربطه بحاجة سوق العمل إلى الكوادر. إن الضرر الكبير الذي لحق بجيل كامل من الأطفال والشباب خلال فترة الأزمة يجب تلافيه في الأجيال التي ستأتي، وهنا يأتي دور المؤسسة التعليمية التي يجب أن نعيد التقييم فيها لجملة من المعايير الأساسية التي تتلخص فيما يلي:

* فصل المسألة التعليمية عن الإيديولوجيا بكل أشكالها، من خلال إلغاء سياسة التمييز، وفسح المجال بما يتيح للكوادر والخريجين أن يأخذوا فرصهم حسب كفاءاتهم، وليس حسب الولاءات أو الانتماءات.

* خلق كادر تعليمي مؤهل يعتمد الطرق التدريسية الحديثة البعيدة عن التلقين، والتي تعزز الاتجاه النقدي والتحليلي، ورفع دخل المدرسين إلى الحد الذي يضمن العيش الكريم ويسمح لهم بتكريس جهودهم لتنشئة الأجيال القادمة وتأهيلها.

* إعادة النظر في المناهج وتطويرها بشكل مستمر بما يتناسب مع روح العصر.

* إعادة النظر في مناهج التاريخ التي يتم تدريسها، فتطور أي شعب ونهضته تبدأان من المراجعة العلمية والموضوعية لتاريخه بعيداً عن الهالة القدسية للأشخاص.

* جعل مادة التربية الدينية اختيارية والتركيز على الجانب الإنساني والأخلاقي فيها.

* ربط المسألة التعليمية بسوق العمل، الأمر الذي سيحدد أولويات القبول في الجامعات والمعاهد وسيساهم في تخفيف نسبة البطالة.

في المجال الثقافي والفكري

تفعيل دور المراكز الثقافية وإعادة الدور الريادي لها في نشر الفكر التنويري من خلال الاعتماد في معالجة المسائل الاجتماعية على استقراء الواقع وفهم الحاجات الملحة لمختلف الشرائح، ومن ثم خلق المناخ المناسب للحوار وطرح الأسئلة والإجابة عنها، ومواجهة الفكر الظلامي بفكر علمي متطور يواكب العصر.

في المجال الإعلامي

أثبتت الأزمة ان الإعلام هو سلاح خطير جداً لا يمكن تجاهله، فمن خلال الإعلام يمكن التأثير على الرأي العام وتوجيهه إما باتجاهات تخدم الوطن أو تدمره. إن خلق إعلام يتمتع بالشفافية والمصداقية ويعالج المشاكل الاجتماعية والإنسانية وينشر فكراً تنويرياً هو أولوية أساسية ستسهم في خلق المناخ المناسب لتحقيق مصالحات حقيقية، ويجب هنا أن لا نغفل مسألة على قدر كبير من الأهمية وهي مسألة الحريات في التعبير عن الرأي، إذا لا يمكن لأي إعلام أن يلامس الواقع بصورة فعلية إذا لم يمتلك  الحرية في تناول مختلف القضايا والآراء تحت سقف الوطن.

وفي الختام يبدو واضحاً أن الأزمة السورية يمكن أن تكون فرصة ذهبية لإعادة الوحدة إلى النسيج السوري الذي يحمل في طياته غنىً في التنوع، وبناء الدولة العلمانية والمدنية، وهذا الموضوع يجب أن يكون الأولوية في كل الخطوات المستقبلية القادمة.

تمت قراءته 25 مرات